Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

لا «تدلِّلها» فتخسرها!!

A A
كلُّ إنسان يُولد ويشتدُّ عوده، يواجه في هذه الحياة شيئين، يتعارك معهما: شيطانه الذي يرافقه، ويكون معه، أو ما يعبر عنه بالقرين، ونفسه التي بين جنبيه لصيقة جسمه، وبنت روحه، معركته معهما بين الخير والشر، أيهما غلب ساد على صاحبه، وسيطر عليه، ولنترك الشيطان في هذا المقال جانبًا ونرَ ماهية النفس وعلاقتها بالإنسان من بداية حياته إلى مماته.

النَّفس كيانٌ مشتركٌ مع الرُّوح والقلب والعقل والجسم، وتفاعلها مع هذه المكوِّنات الأربعة دائمٌ، وبالتَّرابط بين هذه المكوِّنات تصبح ذات مسؤوليَّة، بعد أن يبلغ الإنسان، وتبدأ هرمونات النُّضج بالإفراز، لذلك فإنَّ الله -سبحانَهُ- وضع الإنسان أمام المسؤوليَّة والمساءلة (دُنيا وآخرة) بعد سنِّ البلوغ، ومن هذا السنِّ يجبُ على الإنسان محاسبة نفسه؛ لأنَّ النَّفس -كما قال الشَّاعر- كالطِّفلِ، إن تركها الإنسان وهواها استمرأت، واستمرَّت تطلبُ الرِّضاعة والدَّلال والهوى، ولكن إن فُطمت سرعان ما تُفطم كما قال الشَّاعر:

والنَّفسُ كَالطّفلِ إِنْ تُهمِلْهُ شَبَّ عَلَى

حُبِّ الرِّضَاع وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِــمِ

انتشرت هذه الأيام -خاصة بين أهل التطوير الذاتي وتنمية الذات- عبارات ومقولات ذات علاقة بالنفس، مثل دلل نفسك، ودلع نفسك، وأعط نفسك حقها ومرادها، ما عليك بمن حولك من البشر، بدءاً من الأسرة، وانتهاءً بالأقارب، والجيران، والزملاء، والاصدقاء، وهم بهذا المعنى يؤكدون على العبارة نفسي نفسي.

لا شكَّ أنَّ هذه الثَّقافة تربِّي في النُّفوس الأنانيَّة، وتروِّج للمصلحة الفرديَّة التي تقود لما يُنشر في الأفلام من فكرة «أنا ومن بعدي الطُّوفان»، صحيحُ النَّفس يجبُ أنْ تأخذ حظَّها من التَّرفيه والتَّدليل، وتُعامل ككيان له متطلَّباته، لكنْ لا تنحصر متطلَّباتها بتنعيمها فقط، فتشبيعها بتنعيمها، وبالرفاهيَّة والدَّلع الزَّائد يورثها التُّخمة والأنانيَّة، وهو مرضٌ نفسيٌّ يصعبُ التخلُّص منه، إن هي قامت ونامت على معاني تدليعها وتشبيعها ترفًا، لكنْ لا توغل في تدليلها فتخسرها، أو تدلِّلها على حساب تغذيتها الصحيَّة من المعاني الحياتيَّة، فهي بحاجةٍ أنْ تتربَّى على مشاعر الإحساس بالآخرين واحتياجاتهم، وما يجعلهم يتوجَّعُون من أجله، والتَّوازن في ذلك هو حديث المصطفى -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)، وهو شعورٌ -أي حب للآخرِينَ مَا يحبُّهُ الإنسانُ لنفسِهِ- ينمِّي تربية النَّفس ويجعلها في حالة من العطاء، الذي يمنحها الصحَّة والعافية، بعيدًا أن يخسرها الإنسان نظير أنانيتها وتدليلها الزَّائد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store