Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

بَـــــــــزُورَة!!

A A
هذا المقال عن الفضاء، وعنوانه من الكلمات التاريخية الجميلة التي ترمز إلى الأطفال؛ بطريقةٍ تؤكد على البراءة والمكانة.. ومن الغرائب أن بدايات عالم استكشاف الفضاء ارتكزت على العديد من المراحل، ومنها مرحلة نشاط «البزورة».. في نوفمبر 1918 عند انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ كتبت الدول المنتصرة إحدى أشهر الاتفاقيات في العالم، وهي معاهدة «فرساي»، التي جاءت فيها شروط استسلام القوات المهزومة بقيادة ألمانيا. وحددت فيها قائمة التعويضات لأضرار الحرب.. وجاءت فيها أيضاً قوائم المحظورات على الدول المنهزمة، ومنها تقليص حجم الجيش الألماني، وحظر الصناعات الحربية بأكملها من طائرات، وغواصات، وسفن، وجميع المركبات البرية.. ولكن المعاهدة لم تُشِر إلى الصواريخ والمركبات الفضائية.. كانت النظرة آنذاك أن هذه الأنشطة «لعب عيال».. يعني «شغل بزورة».. وبالتالي فلم تكن هناك أي قيود على تكوين مجموعات هواة للصواريخ والفضاء، وعلى رأسها مجموعة «جمعية السفر الفضائي» Vfr.. وكانت معظم تلك المجموعات من شباب المدارس الذين جاءوا بأحلام ومعلومات علمية جديدة وغير مجربة؛ للخوض في عالم الصواريخ والفضاء. لم يهتم بهم أحد، لأن النظرة إليهم كانت أنهم مجموعة «عيال» بأحلامهم غير المدعمة علمياً. ومن الأسماء اللامعة في المجال «أوبرث»، و»فون براون» و»دورن برجر».. طبعاً في تلك الأيام لم تكن هناك قواعد علمية راسخة في مجال الفضاء وتصميم الصواريخ.. لم تتوفر النظريات، ولا التطبيقات، ولا الصناعات، ولا القوى العاملة الخبيرة المدربة.. ولكن الشباب وفروا العزيمة، والرؤى الطموحة بمختلف التخصصات، وأصبحوا نجوم عالم الصواريخ والفضاء، ليس فقط على مستوى ألمانيا، وإنما على مستوى العالم ككل.. وبسبب تلك الجهود المشبعة بالحماس والعلم؛ أصبحت الصواريخ الألمانية هي الأفضل عالمياً خلال فترة الحرب العالمية الثانية.. جدير بالذكر أن الولايات المتحدة كانت العدو الأكبر للحكومة النازية خلال الحرب، ولكنها كانت أول من فتحت ذراعيها لمجموعات كبيرة من علماء الصواريخ والفضاء الألمان عند انتهاء الحرب.. فجأة أصبح أكثر من مائة عالم ألمان من المواطنين الأمريكيين في عملية «الدبوس»، واستوطنوا الأراضي الأمريكية.

طيب، وماذا استفدنا من كل هذا؟.

تقوم وكالة الفضاء السعودية بجهودٍ كبيرة للتركيز على حث الأطفال والشباب لحب علوم الفضاء والصواريخ بأطيافها المختلفة.. وللتذكير؛ فخلال الرحلة الفضائية السعودية الثانية خلال مايو 2023، شارك أكثر من 12000 طالب وطالبة من مدارس المملكة المختلفة في ثلاث تجارب علمية؛ قام بها رائد الفضاء علي القرني ورائدة الفضاء ريانة برناوي، وبعدها تم إطلاق مسابقة «مداك» للأطفال من سن السادسة في شهر فبراير 2024، والآن يتم طرح مسابقة «ساري» للفئة الأكبر سناً من الشباب في مرحلة البكالوريوس في الجامعات السعودية.. هذا بالإضافة إلى جهود وزارة التعليم وإداراته، وآلاف المدارس المختلفة حول المملكة لانخراط الطلاب من الفئات العمرية المختلفة في عالم الفضاء الجميل بتحدياته المختلفة.. تخيل عدد علماء الفضاء والمجالات الأخرى مستقبلاً من أطفالنا.

* أمنيـــــة:

كانت بدايات عالم الفضاء منصبّة على العسكرة والتسليح بأشكالها المختلفة، وكانت الأنشطة الفضائية خارج ذلك هي رفاهية؛ محصورة على الدول الثرية وعالم «الروقان». وخلال السنوات الماضية تحوَّل الفضاء إلى بيئة مشبعة بالفرص لتحسُّن أحوال البشر، وما أكثر الأمثلة على ذلك.. بتوفيق الله تُقدَّر فوائد تطبيقات تحديد المواقع بأكثر من عشرة تريليون ريال خلال العشر سنوات الماضية، ونجد المردود العالي من استثمارات الاتصالات، والتصوير الجوي، والبحث العلمي، والتطبيقات العسكرية المختلفة.. أتمنى أن يُوفَّق قطاع الطيران والفضاء السعودي في المزيد من التقدّم في مجال الفضاء، وخصوصاً من الأجيال القادمة الرائعة بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store