Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
سهيل بن حسن قاضي

سوريا.. ونظرية «ميكيافيللي» السياسية

شذرات

A A
يُعدُّ فكر أرسطو السياسي، هو من بداية التفكير المنهجيِّ للديمقراطيَّة والدَّولة والحُكم على حدٍّ سواءٍ، وكان ذلك قبل أكثر من ثلاثة قرون قبل الميلاد، فالديمقراطيَّة احتلَّت جزءًا كبيرًا من فكره، حيث يرى أنَّ مهمَّة المواطن الصَّالح هي حماية الدَّولة، من خلال مشاركته في السُّلطة والقضاء. ويؤكِّد دومًا أنَّ المصلحة العامَّة هي معيار السياسة، ويُشبِّه النظام السياسيَّ بالشركة التي تضع نصب أعينها فضيلة المواطن، وما دام الأمرُ منوطًا بالنظامِ السياسيِّ فإنَّ كلَّ مواطن يلزمه أنْ يتقن عمله، ويقوم بما أُوكل إليه، حتَّى تكون الدولة الفاضلة بفضائل مواطنيها.

وعلى الرغم ممَّا عُرف عن أرسطو، من دفاعه المستميت عن الديمقراطيَّة، إلَّا أنَّه يقرُّ -في الوقت نفسه- أنَّ نظام الديمقراطيَّة ليس أمثل النُّظم السياسيَّة، ولكنَّه أقلُّ الأنظمة الفاسدة فسادًا.

فقهاء علم السياسة في كافَّة العصور يُجْمِعُون على أنَّ الديكتاتوريَّة، وما تحمله من مساوئ، جائزةٌ في ثلاث حالات.

ولعلِّي أستشهدُ هنا بنظريَّة المفكِّر السياسيِّ «ميكيافيللي»، التي تنصُّ على أنَّ الديكتاتوريَّة ضروريَّة ولازمة في حالاتٍ معيَّنة خاصَّة، هي:

إنشاءُ دولة من عَدم، إنقاذُ دولة من انهيار وشيك، أو إصلاح دولة فاسدة جدًّا.. في هذه الحالات لابُدَّ من قبضة حديديَّة، ربَّما تستغرقُ بضعة شهور، أو بضع سنوات في أسوأ الحالات؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة الأمور إلى نصابها، كإنشاء دستور للبلاد، ينظِّم حياة الأُمَّة، ويوضِّح الحقوق الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة للأفراد، ودور الدَّولة في تنظيم النشاط الاقتصاديِّ، وباختصار شديد يحقِّق التَّوازن بين مصلحة المجتمع والفرد، وتحقيق العدالة الاجتماعيَّة في نظام ديمقراطيٍّ يحدِّد مؤسَّسات الحُكم، ويوفِّر الدَّليل لسير أعمال هذه المؤسَّسات.

نسوقُ هذا الأمرَ في ظلِّ ما لاحظتُه من مطالبَ محليَّةٍ وعالميَّةٍ من الجهات التي تتولَّى مهامَّ الحُكم في سوريا الشَّقيقة حاليًّا؛ بعد انهيار الدَّولة وسقوط حاكمها المستبد بشار الأسد، الذي استعان بقوى خارجيَّة لبقائه في الحُكم وتمزيق بلاده.

أليس من الحكمة أنْ نمهل الحكومة الحاليَّة، التي أبدت العديد من المؤشرات في سعيها للحفاظ على أمن البلاد، وتهيئة الأجواء الملائمة لإعادة النَّازحين إلى بلادهم، وهم الآن بصدد وضع دستورٍ للبلاد، بما يحفظ حقوق كلِّ الطَّوائف للعيش تحت مظلَّةٍ واحدةٍ، وبما يُعيد لتلك البلاد أمنها واستقرارها ومجدها القديم؟.

وإنْ كنَّا لا نرى إمكانيَّة الاستئناس لأيٍّ من أشكال الديكتاتوريَّة التي حوتها نظريَّة ميكيافيللي السياسيَّة، إلَّا أنَّنا -في الوقت نفسه- نرى الحاجة ملحَّة للأخذ بمفاهيم (الحزم والحسم)، بعد أنْ توفَّرت كلُّ مقوِّمات الأخذ بها في هذه المرحلة الحرجة التي تمرُّ بها سوريا الشَّقيقة، والتي تستدعي منع الفوضى، وبسط النفوذ، ووضع الدستور الذي ينظِّم علاقات السُّلطة بالمجتمع، بما يُعلي من قيمة النِّظام، ويمنع التشرذم، ويُؤسِّس لمنظومةٍ وحدويَّةٍ بين جميع أطياف المجتمع، يتم من خلالها استشراف المستقبل المشرق لسوريا وأبنائها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store