ما أطيب الوفاء، وما أجمل الأوفياء، الذين يحملون الذكريات الطيبة في دواخلهم، وإن طال الزمن، الذين يحفظون المودة وإن تباعدت المسافات، الذين لا يتنكرون لجميل، أو عطاء، أو إحسان، أو معروف، أو أٌلفة، وقد قيل قديماً: «الوفاء طريق مهجور لا يمر به إلا القليل».
إن الوفاء ينم عن خُلق الإنسان الكريم، لا يمكن تصنّعه، إنها خصلة كريمة تجدها دوماً عند الأكارم والطيبين، ولذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (حسنُ العهدِ من الإيمانِ).
حول حسن العهد والوفاء، أقتبس من كتاب «طرائف ومسامرات» لمؤلفه الأديب والكاتب، عميد اللغة العربية بجامعة المنصورة سابقاً، والأستاذ بجامعة الأزهر الدكتور محمد رجب البيومي؛ ما حبره الكاتب والأديب صاحب الموسوعة الشهيرة: (فجر، وضحى، وظهر، ويوم الإسلام)، الأديب الكبير الأستاذ «أحمد أمين» -رحمه الله- والد المفكرين المعاصرين «حسين وجلال أمين»، عما واجهه من عقوقِ طُلّابه وزملائه بعد أن ترك عمادة كلية الآداب بجامعة المنصورة، ورجع أستاذًا في الكلية، فرأى مِن التلوّن والجحود والنكران ما قال عنه:
«هذا فلان كان صديقي يوم كنت أستطيع نفعه، فلما سلبت مني هذه المقدرة، تلمس الوسائل ليكون عدوي، فإن لم يجد أسبابا اختلقها، وإن لم يجد فرصة لإظهار هذه الخصومة تعمد إيجادها.
وهؤلاء الذين كانوا يَتهافتون على إقامةِ حفلات التكريم لي يوم انتخبتُ عميدًا، فأرفضها وأرفضها، لم يُفَكِّروا في إقامةِ حفلةِ وداعٍ يوم تركتُ العمادة.
وهذه التليفونات التي كانت تَدُقّ كلّ حين للسؤال عن صِحّتي، وطلَبِ موعدٍ لزيارتي، لإظهار الشّوق أولًا، والاطمئنان على صِحّتي ثانيًا، والرجاء في قضاءِ مصلحةٍ ثالثًا، لمْ تَعُد تدقّ إلا للأعمالِ الضرورية، التي ليس فيها سؤالٌ عن صِحّة، ولا إعلانِ أشواق... وهذه أيام الأعياد التي كان يموجُ فيها البيتُ بالزائرين مِن الصباح إلى المساء يهنئون بالعيد، أصبحتْ كسائر الأيام، أجلس فيها على المكتب، فأقرأ وأكتب، ولا سائل ولا مجيب.
وهذه صورة للناس لم تكن جديدة علي، فقد قرأت مثلها في الكتب كثيراً، وسمعت عنها كثيراً، ولكن لعل أسوأها أثراً في نفسي ما شاهدته مِن قلة الوفاء في بعض طلبتي، فقد كنت أعتقد أن الرابطة العلمية فوق كل الروابط، أما أن طالباً يخرج على أستاذه ويجرحه، ويقدح فيه بالكذب والأباطيل؛ فشيء لم أكن رأيته، فلما رأيته استعظمته، وحز في نفسي، وبلغ أثره أعماق قلبي حتى أنني:
وصرتُ أشكُّ فِيمَنْ أصْطفِيْهِ
لعِلْمِي أنّهُ بعضُ الأَنَامِ»
انتهى الاقتباس.


