Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

الزهايمر والحقوق المالية

A A
عندما يأمرُ اللهُ -سبحانَهُ وتعَالَى- بأمرٍ، إنَّما يأمرُ به؛ لأنَّ فيه مصلحة الإنسان نفسه، وكذلك تكون فيه مصلحة مجتمعه من قبله ومن بعده.

إنَّ من الأمور التي يتساهل فيها البعض، إهمال كتابة الحقوق الماليَّة، وتدوينها، وتوثيقها، خاصَّةً منها الدَّين، والقَرض، والعُقود المتَّفق عليها، وإهمال كتابة الحقوق الماليَّة مرَّدُه إمَّا الكسل والتَّسويف، أو الثِّقة المفرطة بين الأفراد، وأيًّا كان السَّبب، فإنَّ الدَّين والقَرض في بعض الحالات يكون نهايته المماطلة، أو التَّنكُّر وعدم الاعتراف، أو التَّسويف في ردِّ القَرض؛ لدرجة أنَّ المَدين يستهجنُ أنْ يطلبَ منه الدَّائنُ ردَّ ما استدانَ منه؛ لأنَّه لم يعدْ يهمه رده، أو أنَّه يتهرَّب منه، وبالتَّالي تحدث الخصومة والهجران، أو المطالبة الرسميَّة، إذا كانت المبالغ كبيرةً؛ ممَّا يؤدِّي إلى القطيعة بين الأقارب والأصدقاء والزُّملاء، فتنعدم القرابة والصَّداقة والزَّمالة؛ بسبب الدَّين والقَرض، هذا إذا كان مدوَّنًا وموثَّقًا ومكتوبًا، فكيف إذا لمْ يكن هناك توثيقٌ للدَّين والقَرض؟

إن أحد أكثر الحالات ارتباكا، وأشدها على النفس وقعا وألما في الحالات غير المكتوبة والموثقة من الحقوق المالية، هي عندما يكون أحد الطرفين -الدائن أو المدين- مصابا بالزهايمر، وتكون بينه وبين أقاربه أو معارفه حقوق مالية، لم تدون ولم تكتب، وهذا ما حدث للبعض.

حدَّثنِي أحدُ الأصدقاء أنَّ لديه قريبًا وضعوا فيه كلَّ الثِّقة، وأودعوا عنده مبالغ مشاركات ماليَّة، ولم تُدوَّن تلك المبالغ؛ لأنَّه في مقام والدهم، لكن بدت صحَّته تتدهور بشكل سريع، خاصَّة ذاكرته، فأصبح مريضَ زهايمر، وحيث إنَّه له أبناء وبنات وزوجة، فأصبح الأمرُ حرجًا في إقناع ذرِّيَّته أنَّ هناك شراكةً ماليَّةً بينهم، فكانت الصَّدمة، وحدث ما لمْ يكن في الحسبان، حيث إنَّ الأبناء والبنات لم يعترفُوا بتلك الحقوق، ومادام أنَّ صاحب الشَّأن المعني بالاعتراف مغيَّبٌ؛ بسبب الزَّهايمر، فمن أين يمكن استرداد الحقوق الماليَّة؟ وما السبيل إلى ذلك؟ خاصَّة إنْ كان الأبناء والبنات ممَّن يأكل ناقةَ اللهِ وسُقْيَاها، كما أنَّه لا يُجدي طلب الحلف واليمين، على اعتبار أنَّ اليمين على مَن أنكر؛ ممَّا جعل الأمرُ يشتدُّ بينهم، وتحرَّكت العداوة بين النُّفوس، وحلَّت القطيعة، فالأبناء والبنات والأقارب جميعًا ليس لديهم دليلٌ مكتوبٌ في التأكُّد من الحقوق الماليَّة، ومَن له حقوق ليس عنده ما يُثبت ذلكَ؛ لذلك فإنَّ أمرَ اللهِ مهم اتِّباعه في قولهِ تعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)، وقوله تعالى: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)، وإنَّ الخير -كلَّ الخيرِ- فيما يأمر اللهُ به، والشَّر -كلَّ الشَّرِ- فيما ينهَى سبحانه وتعالى عنه، فوحي الله كتابًا وسُنَّةً منهجُ حياةٍ اجتماعيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store