قبل الدُّخول إلى جسد الموضوع، نتحدَّث أوَّلًا عن المفهوم الشَّامل للدِّين، فعندما خلق اللهُ تعالى، الجنَّ والإنسَ، لم يخلقهما عبثًا، بل خلقهما لعبادته -سبحانه-، كما في قولهِ تعَالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وحتَّى تتمَّ تلك العبادة -كما أرادها سبحانه- وضع لها دينًا واحدًا؛ لتنظيم تلك العبادة، وتحديد مسارها وعناصرها، هو دِين الإسلام، فلا دِينَ غيره، كما في قولهِ تعَالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)، وهذه الآية الكريمة تردُّ بجلاءٍ على كلِّ مَن ادَّعى بوجود أديان أُخْرى، فتلك ليست أديانًا، بل هي شرائعُ مجتزَّةٌ من الدِّين الإسلاميِّ الشَّامل، الذي اكتملَ، وتمَّ، وفُصِّل، في الشَّريعة المحمديَّة، التي تُعدُّ خاتمة الرسالات السماويَّة، كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، فالرسل السَّابقون كانوا يرسلُونَ إلى أُممهم بكُتبٍ منزَّلةٍ تتضمَّن تفاصيل ذلك الدِّين في تلك الفترة الزَّمنيَّة؛ نظرًا لاختلاف البيئات والظُّروف التي تتوافق معها، وتغيُّر تلك الظُّروف مستقبلًا.
فدِينُ اللهِ تعالى الإسلامُ، كان ثابتًا حال نزوله على كلِّ أُمَّةٍ في كتابها، لكنَّ الأحكام قد تتغيَّر حسب ظروف ومتطلَّبات كلِّ أُمَّة، التي قدَّرها الله -سبحانه وتعالى- وضمَّنها الكتاب المُرسل إليهم، مع نبيِّهم، فهذا الدِّينُ يقومُ على ركنٍ واحدٍ لا يقوم الدِّينُ إلَّا به، ولا يسقط تطبيقه عن أحدٍ، مهما كانت ظروفه، وهو التَّوحيد، وعدم الإشراك بالله، وبدون هذا الرُّكن لا يقومُ الدِّينُ. كما تضمَّن هذا الدِّينُ عباداتٍ أُخْرى واجبةَ التَّنفيذ، لكن قد تسقط، أو يتغيَّر أداؤها بعُذرٍ ذكره اللهُ تعالى في كلِّ تشريع في كتبه كالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ، كما تضمَّن عباداتٍ أُخْرى كالإيمانِ بالكُتبِ المنزَّلة، والرُّسل، والإيمانِ باليومِ الآخرِ، وبالقَدَرِ خيره وشره.
ولعلَّ من الوارد ذكره سلفًا، وهو أنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ نزلَ به كلُّ الرُّسل، وتضمَّنته كلُّ الكُتب السماويَّة تباعًا، لكن اكتملت عباداتُه في القرآن الكريم، الذي نزَّله اللهُ -تعالى- على نبيِّه ورسولِهِ محمَّدٍ -عليه أفضلُ الصَّلاةِ وأزكَى التَّسليمِ-.
وهذه العبادات يمكن تقسيمها إلى:
- العبادات الحركية كالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وهذه العبادات تبقى خاوية لا قيمة لها، بل تعد مضيعة للوقت والجهد، وخسران مبين يوم الحساب، إذا لم ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً وعملياً بالجانب الروحي؛ تطبيقاً حركياً وروحياً، فالعبادات الحركية لم تفرض إلا لتغذي وتعزز العبادات الروحية.
- العبادات الروحيَّة كالمعاملات بين النَّاس، فلا ظلمَ، ولا عدوانَ، ولا غشَّ، ولا كذبَ، ولا إخلافَ مواعيدَ، ولا غيبةَ، ولا نميمةَ، ولا بهتانَ، ولا سبَّ، ولا شتمَ، ولا تصنيفَ، ولا تكفيرَ، ولا سلبَ حقوقٍ، ولا سرقةَ مالٍ عامٍّ، وهذه الشرائع تمثَّل بها نبيُّنا محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فهُو القدوة والنبراس لنا فيها: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ).
لكنَّ اللَّافت للانتباه، أنَّ البعض من أفراد مجتمعاتنا الإسلاميَّة، يحرص على إقامة العبادات الحركيَّة، فتجده يصلِّي كلَّ الصلوات في المسجد، وقد يقاتل على الصفِّ الأوَّل، ويكثر من الحجِّ والعُمرة، ويصوم الاثنين والخميس، لكنَّ هؤلاء الحريصين شكلًا، نرى أغلبهم يظلمُونَ، ويكذبُونَ، ويغتابُونَ، وينمُّونَ، ويبهتُونَ، ويشتمُونَ، ويكفرُونَ، ويصنِّفُونَ، ويسرقُونَ المالَ العامَّ، ويفعلُونَ الأفاعيل المنكرة -سرًّا أو جهرًا- و...، و...، والمحزن والمخجل، أنَّك تجدهم ينافحُونَ عن الدِّين، ومنافحاتهم تكون أكثر بالسَّفاهةِ والسبِّ والشَّتمِ والتَّصنيفِ والتَّكفيرِ، فما هذا التَّضادُّ؟ وما هذا التَّناقض الفكريُّ والسلوكيُّ العجيبُ؟


