Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

لماذا يرفض السوريون الفكر المتطرِّف؟

A A
بغضِّ النَّظر عن الهياكل والمُسمَّيات، تَعرفُ سوريا -شعبًا وقيادةً- أنَّ فكر الغلوِّ والتطرُّف مرفوضٌ في وطنهم على جميع المستويات. ورغم بعض التحدِّيات، يؤكِّدُ السوريُّون، بلسان الحال، قبل لسان المقال؛ رفضهم لهذه الظَّاهرة في كلِّ مكان. يسري هذا على الأفراد، كما يسري على المؤسَّسات، ويسري على السوريِّين في الخارج، كما يسري عليهم في الدَّاخل.

تَعرفُ سوريا أنَّ صعود التطرُّف كان أكبرَ ورقةٍ في يد النظام البائد، إعلاميًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وأنَّه كان يستعملها ضدَّ الثورة وأهلها داخليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، حتَّى صارت أكبر عائقٍ داخليٍّ يخلق الكوابح والمطبَّات في كلِّ ما يتعلَّق بالثورة وأدواتها وحاضنتها.

تعرف سوريا -أيضًا- أنه لا فُسحةَ هنا لخوفٍ زائفٍ بأنَّ رفضَ الغلوِّ يأتي استجابةً لرغبات الغرب، أو أمريكا، أو أيِّ طرفٍ من الأطراف. فبعض هذه الأطراف يطربُ أصلًا؛ لوجود الغلوِّ ويعتبره عنصرًا رئيسًا في تبرير الاستقالة السياسيَّة والأخلاقيَّة للنِّظام الدوليِّ من (الهمِّ) السوريِّ. والمتضرِّرُ الأوَّلُ والأكبرُ من كلِّ ما له علاقة بالتطرُّف والغلوِّ هو سوريا، وإسلامُها الأصيل.

لا مكانَ في سوريا الجديدة لممارسات التَّحريم والمنع والإجبار؛ وملاحقة النَّاس وضمائرهم، ومصادرة حقوقهم.

لا مساحةَ فيها لواقعٍ يصبحُ فيه الإسهامُ في التحريم، والإبداعُ في الضَّبط، والتَّفننُ في المنع، وظيفةً وإنجازًا وطريقًا لتحقيق أهداف الثَّورة والتَّحرير.

لا مجالَ فيها لتوسيع دوائر المحرﱠمات والمُقدسات، حتى تُصبح هي الأصلَ في الدِّين، وتصير محورَ تنزيله على حياة النَّاس وواقعهم.

يَعلم السوريُّون أنَّ كتاب عقيدتهم يُوصف عندما يُذكر بالـ(كريم) وليس بالمُقدَّس. وأنَّ نبيَّهم -أيضًا- يُوصف عندما يُذكر بالـ(كريم) وليس بالمقدﱠس. ينتبهُونَ إلى دلالات الفرق المعرفيِّ والفلسفيِّ العميق بين استخدام وصف (المقدَّس) للإشارةِ إلى الكُتبِ والأنبياءِ في اللُّغات الأُخْرى، وعدم استخدامه في اللُّغة العربيَّة. يُدركُون أنَّ ذلكَ الكتابَ لا يدعُو النَّاس إلى (تقديسهِ)، وإنَّما يدعُو بدلًا من ذلك إلى النَّظر والتَّفكُّر والتَّدبُّر والسَّعي والعمل والرَّحمة.

لا يتجاوز السوريُّون حقيقةَ أنَّ الكعبة (مُشرَّفة) وليست (مقدَّسة). ولا يقفزُونَ فوق المعاني الكامنة وراء عدم إمكانيَّة استخدام تصريف (القدُّوس) إلَّا للإشارةِ إلى الخالق. ولا يُغفلُون الإشارات الكامنة وراء الحرص الشديد على تجنُّب التَّقديس للأشخاصِ، وللأماكنِ، وللمظاهرِ في النصِّ الصحيحِ نظريًّا، وفي العصر النقيِّ الأوَّل عمليًّا.

لا مكانَ في سوريا لمحاصرة معاني الحريَّة، وتضييق معاني الاستقلاليَّة، والاختيار الشخصيِّ، وتوقفِ الإبداع في مجالات الفكر والثقافة والأدب والفن.

لم يعدْ ممكنًا فيها وصفُ كلِّ إبداع بأنَّه ابتداع، واتِّهامُ كلِّ تجديد بأنَّه طعنٌ للأصالةِ، وأيﱢ خروجٍ على المألوف بأنَّه منكرٌ وخطيئةٌ، وكل رأيٍ آخرَ بأنَّه مخالفٌ للإجماعِ.

يوقن السوريون بأنَّ توسيع دائرة المحرمات بشكلٍ سرطاني هو الوصفة المثالية لقتل عقلية الوقوف الملتزم والوسطي عند الحدود، وهي عقلية ضرورية، بتوازناتها، لاستمرار الحياة نفسها.

يعرفون أن جهل البعض بهذه الحقيقة ليس عذرا مقبولا على طريق صناعة مستقبل الجماعات البشرية. وأن الضغط يولد الانفجار، وأن كل ممنوع يصبح مرغوبا. وأن من المستحيل عزل السوريين ومحاصرتهم في القرن الحادي والعشرين الميلادي في أقفاص زجاجية محصنة.

يُدركُون أنَّهم يعيشُون في عصرٍ عاصفٍ، ويَعرفُونَ الكثير عن حيويَّة الإنسان بشكلٍ عامٍّ، وفي هذا الزَّمن تحديدًا.

يَفهم السوريُّون طلاقة الحياة البشريَّة، حيث يمكن أنْ تتشكَّل دومًا ظروفٌ تدفع المجتمعات للانتقال من النَّقيض إلى النَّقيض. ويُمكن لممارسات الضَّبط والمنع والتَّحريم والتَّقليد والإجبار على (نمطٍ) معيَّنٍ في التَّفكير والحياة؛ أنْ تجعل (التَّغيير) -في حدِّ ذاتِهِ- هدفًا، وأنْ يروم أولئك (المُجبَرُون) تجربة كلِّ شيءٍ كانَ محرﱠمًاً عليهم، بأيِّ طريقةٍ وبأيِّ ثمنٍ.

ولا ينسُونَ -أبدًا- أنَّهم ثارُوا على أعتى نظامٍ في العالمِ، إنْ لم يكن في تاريخ الإنسانيَّة، وأنَّ ثورتهم كانت أوَّلًا وقبلَ كلِّ شيءٍ بحثًا عن نظامٍ للمعاني يتمحور حول الحريَّة والكرامة. وأنَّ أيَّ ظهورٍ لمظاهرِ التطرُّف فيها سوف يكون مقتلاً لذلك النِّظام، قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store