- ما يلفت انتباهي في معظم التعاملات الشخصيَّة، تفاقم الحذر والتوجس بين النَّاس، وتقديم سوء الظن على حسنه، وتنامي الأنانيَّة ونهم الاستحواذ بصورة خطيرة، لذا، أصبحت تلك العلاقات من أسباب الإعياء النفسيِّ، والإنهاك العاطفيِّ، واستنزاف الطاقة. - عمومًا، من المتوقَّع تدهور الذوق العام، واضطراب الأخلاق، إذا أخذنا بالاعتبار طبيعة الإنسان العدائيَّة التنافسيَّة الأنانيَّة، أساسًا، وأضفنا إليها ضغوطات التغيُّرات الثقافيَّة، والاختلالات التربويَّة، والنفسيَّة، والاقتصاديَّة، والظروف الاجتماعيَّة التي تحفز الاضطرابات السلوكيَّة لدى كثير من أفراد المجتمع. - يواجه إنسان العصر الحديث تقلُّص فرص ارتباطه السويِّ مع الآخرين، وتكوين علاقات «طبيعيَّة» معهم، فحُمَّى الدِّعاية والإعلان، ونزعة الامتلاك، تكرِّس مجتمعات مفرطة في الاستهلاك، وتُغري أفرادها لإشباع رغباتهم الماديَّة لأقصى حد ممكن، ومعها النفخ في الذَّات، والدَّفع باتجاه الأنانيَّة على حساب الآخرين. - التنافس بين البشر في رأي (روسو)، تَسَبَّب في إخراج الإنسان عن حالته البريئة الطبيعيَّة، وزجَّ به في أتون الحضارة الفاسدة؛ ليتصارع بأسلحة الأنانيَّة والاستحواذ على الثَّروة التي تقسم المجتمع، مع أنَّ (أفلاطون) يرى أنَّ الطبيعة البشريَّة أنانيَّة، ولا يمكن الركون إليها لتحقيق العدالة؛ بسبب ميلها الغريزيِّ إلى الشرِّ. - المجتمعات المدنيَّة في عصر ما بعد الحداثة، تتجه بقوة إلى تبني الفردانيَّة والوحدة والعزلة، وتصيبها فوبيا العلاقات والتوجُّس من الآخر، والنزع إلى الاستقلاليَّة مع فرط الأنانيَّة، وجميعها لها ما لها، وعليها ما عليها، لكنَّها تحذِّر من مستقبل مضطرب الهويَّة والسلوك والأخلاق. - وكلَّما استطاع، لا يوفِّر الإنسان جهده في فعل الشر، فهو مجبول على التسلُّط والنفعيَّة والأنانيَّة والتملُّق؛ للاستحواذ على أقصى ما يمكنه من الممتلكات والمكانة، وهذا يفسِّر كيف لمن كانت أخلاقه وادعةً خيِّرةً، أنْ ينقلب بين ليلةٍ وضحاها إلى وغدٍ بغيضٍ.. إنَّها الانتهازيَّة التي تتلبَّسه مثل العفريت. - إنَّ إغراء الحياة يقودنا إلى القلق والانغماس في الأنا، وحب الاستحواذ، والغفلة عن الإشارات الحميمة، والإيماءات البسيطة، التي يُظهرها الآخرون، والفشل في التقاط ذبذبات مشاعرهم ومعاناتهم الواضحة؛ لنقع في سوء الفهم، وإساءة الظن، والإحساس بالغربة والوحدة. نحن بحاجة إلى مزيد من الفنون، والحب، والتسامح، والتفهُّم.. مزيد من اللطف والرأفة.. فكما قال الشاعر (بوكوفسكي): «النَّاس ليسوا طيبِينَ مع بعضهِم البعضِ».


