في الطَّريق إلى سان دياجو، استأذن أحدُ الركَّاب من المضيف، الانتقال إلى المقعد المجاور لي، وعرَّف بنفسه، وربما أراد أنْ يملأ وقت الفراغ، وفي يدي رواية لكاتبة سعوديَّة تريد أنْ تعرف انطباعاتي نحو كتابتها، إلَّا أنَّ الضيف المجاور لي لم يمنحني الفرصة لتعدُّد تساؤلاته عن أمور شتَّى، كان من بينها: دور المجتمع المدنيِّ في بلادنا، وقيادة المرأة للسيَّارة.
الصورة الذهنيَّة التي لديَّ هي انتخابات مجلس الشُّورى في بداية تولِّي الملك عبدالعزيز الحُكم، والجمعيَّات غير الربحيَّة، وغيرها، إلَّا أنَّ ملتقى قراءة النصِّ لنادي جدَّة الثقافيِّ الأدبيِّ، الذي كُرِّم فيه الأستاذ محمد عبدالرزاق القشعمي، مكَّننا من التعرُّف على المؤلَّفات العديدة التي صدرت له، ومن بينها: (بوادر المجتمع المدنيِّ في المملكة العربيَّة السعوديَّة)، وقد أُتيح لي فرصة الحصول على نسخة من الكتاب الذي صدرت طبعته الثَّانية عام 1434هـ، وأرَّخ فيه لنشأة مؤسَّسات المجتمع المدنيِّ، واشتمل الكتاب على إحصاءات، وأسماء الجهات التي مارست الانتخابات لأعضائها، وأسماء المنظِّمين والمشارِكين، وكلها موثَّقة، والتوثيق سمة من سِمات الأستاذ القشعمي في كل إصداراته، ومن ضمنها ما ذكره تحت عنوان: «من ذكريات انتخابات الماضي بالمدينة»، وفيها الأمر السَّامي بإجراء انتخاب رسميٍّ سنويٍّ لهيئة القرَّاء والحفاظ، كما أجريت انتخابات للحرس اللَّيليِّ (العسس)، وانتخاب عُمد الأحياء (ص 153)، كما تطرَّق إلى انتخابات جمعيَّة النَّهضة النسائيَّة بالرِّياض، وفيها تم انتخاب السيِّدة سميرة خاشقجي رئيسة لتلك الجمعيَّة، ونادي فتيات الجزيرة الثقافيِّ في الرياض، كما انتُخبت رئيسة للاتحاد النسائيِّ العربيِّ السعوديِّ.
وممَّا يُشار إليه في الكتاب، تفاصيل انتخابات أعضاء المجالس البلديَّة التي بدأت مبكِّرًا عام 1374هـ، كما كانت هناك انتخابات مبكِّرة منذ عام 1349هـ لنقابات الحِرف، والصَّنائع، والرَّوابط الأدبيَّة، وانتخابات هيئة المطوِّفين، وظهرت فيما بعد انتخابات النقابات، والغرف التجاريَّة، وانتخابات اللِّجان الرياضيَّة، ورابطة طلاب جامعة الملك سعود، وقد سُمِّي المجلس الأعلى برئاسة الدكتور عبدالعزيز الخويطر، وضم أساتذةً وطلابًا من مختلف الكليَّات، كان من بينهم الطالب صالح كامل بكليَّة التجارة، وهو مقرِّر اللَّجنة، والطالب محمد عبده يماني من كليَّة العلوم.
وهناك تفاصيل أوردها المؤلِّف في صفحة 121 عن انتخابات أعضاء المجلس البلديِّ بالرياض، والتي كانت -لأوَّل مرَّة- في عام 1384هـ، وحثَّ إمارة الرياض المواطنين للتوجُّه إلى مراكز الاقتراع في أحيائهم لاختيار مَن يمثِّلهم في المجلس البلديِّ، وشوهد أمير الرياض (الأمير سلمان -آنذاك-) في منطقة المربع، يُدلي بصوته مع المواطنين.
كان بودِّي لو كانت هذه المعلومات متوفرةً لديَّ؛ لتزويد جاري في مقعد الطَّائرة بها، والشُّكر والتَّقدير للأستاذ الجليل محمد القشعمي، على إصداره الرَّائع وتوثيقه لكلِّ بوادر المجتمع المدنيِّ في بلادنا.
ويحدونا الأمل لتوثيق تجربة الانتخابات البلديَّة، التي أُجريت في بلادنا قبل سنوات، وكانت في غاية الدقَّة والتَّنظيم والشفافيَّة والنَّزاهة، مع توثيق إفرازاتها. [email protected]


