سبحان الله.. حتى اللف والدوران له جوانبه الجميلة.. دوران كوكب الأرض بأكمله -بمشيئة الله- حول نفسه؛ بسرعة حوالى ألف وستمائة كيلومتر في الساعة، مرة واحدة يوميا، ولفة الأرض حول الشمس مرة كل سنة، بسرعة مائة ألف كيلومتر في الساعة تقريباً.. وهناك اللف والدوران حولنا يومياً، الذي قد لا نشعر به، والحمد لله أن معظمه نافعاً.. من لف العجلات، وأجزاء المحركات والمواتير المختلفة، والساعات، وغيرها..
ولفت نظري أحد أنواع اللف والدوران المذهل اليوم.. اشتريتُ بتوفيق الله غسالة ملابس جديدة بسبب تقاعد غسالتي الخدومة التي تعدَّي عمرها ثُمن قرن من العمل الشاق.. ووجدتُ في التقنية الجديدة ما يستحق وقفات إعجاب، من «الشاصية» الصلب، وكأنها سيارة ألمانية غالية، إلى وزنها الثقيل، علماً بأنها تحتوي على بعض الإسمنت في تركيبها.. ولكن من الخصائص المذهلة، أن دوران الغسيل على المحور الرأسي؛ بمعدل يصل إلى ألف وأربعمائة مرة في الدقيقة.. ويعادل هذا المعدل حوالى ربع دوران محرك سيارة «البورشة 911» الرياضية الجبارة.. وتتشقلب بداخلها كمية من الملابس تصل إلى تسعة كيلوجرامات.. ما يفوق وزن درزن ثياب.. وهناك المزيد، فكمية المياه المستخدمة تصل إلى ما يعادل محتوى مائة وخمسين علبة «فيمتو» تقريباً.. يعني الوزن الهائل المحمول يدور بسرعات مذهلة.. وهناك المزيد، فكل المنظومة تعمل ببرمجة عجيبة تغير تلك السرعات حسب دورة الغسيل ونوع الملابس، وتخيل أن بعض منها تستطيع أن تستشعر نوع الأقمشة التي وضعت بداخلها.
ومن روائع هذه الآلة، أن منظومة السباكة بداخلها لا تقل تعقيداً عن منظومتها الميكانيكية، فهي تقيس كمية المياه المطلوبة بدقة، وتخلطها مع الصابون بدون دراما، ثم تدخلها في وعاء الغسيل على درجة الحرارة المطلوبة، وبعد اللف والدوران العنيف؛ تخرج الغسيل على درجة رائعة من النظافة، وبنسبة ضئيلة من الرطوبة.. وأتوقع أن معظم قراء هذا المقال لا يتعاملون مع مكائن الغسيل بأي حال من الأحوال، ولذا فسأنتقل إلى نوعٍ آخر من التنظيف المذهل، وهو غسل الكلى.. والمقصود هنا هو «ديلزة» الدم لإخراج المواد غير المرغوبة لمن لا تعمل عنده الكلى بالطريقة التي تسمح بتنظيف الدم من تراكم الفضلات.. مثل اليوريا.. والجلوكوز.. والصوديوم والبوتاسيوم الزائد.. تعمل مكائن غسل الكلى بطرق عبقرية لإخراج الدم وتدويره عبر فلاتر في ماكينة تعتمد أيضاً على اللف والدوران.. فيها حركات لف ذكية وتعمل على الفلترة وتدوير الدم مرات ومرات خارج جسم المريض..
ومن العجائب أن اختراع تلك الماكينة العجيبة يعود إلى أيام الحرب العالمية الثانية في هولندا.. قام الطبيب الفذ «كولف» باختراع الماكينة في السر عام 1943 بعيداً عن أنظار القوات النازية المحتلة، وكان اختراعه العبقري محلاً للسخرية أثناء الحرب وبعدها مباشرة.. وللعلم فقد استخدم المخترع ماكينة غسيل، وغشاء «سجق» في أول محاولات غسيل الكلى.. واليوم بتوفيق الله وصل مستوى مكائن غسيل الكلى إلى مستوى آمن، بالرغم من أنه لا يزال بطيئاً، فالمريض يحتاج إلى جلسات تدوم ثلاث ساعات أو أكثر لتنقية الدم.
* أمنيــــة:
أتمنى أن نتذكر النعم العظيمة حولنا اليوم وكل يوم، وخصوصاً تلك التي قد لا نلحظ روائعها، ومنها نعمة الغسل، سواء كانت من مكائن الغسيل المذهلة، إلى مكائن غسل الكلى الرائعة.. وهناك المزيد من الحديث عن روائع التنظيف في مقالات قادمة بمشيئة الله.


