Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

المعارض والمتاحف الوطنية.. التراث وجودة الحياة

A A
تُعتبر المتاحف والمعارض من أهمِّ أدوات الثقافة، التي تحافظ على التراث الإنسانيِّ، وحضارة المجتمع، وتسهم في اطِّلاع الأجيال عليها، هذا فضلًا عن الرَّصد التاريخيِّ للتطوُّر الإنسانيِّ في مجالات متنوِّعة. وقد أصبحت المتاحف والمعارض -في ظلِّ اهتمام وزارة الثقافة- قادرةً على مواكبة المفاهيم العالميَّة للثقافة، وحضارة الأُمَّة، ومن ثمَّ تأصيل الهويَّة السعوديَّة التي هي جزء من رُؤيةٍ شاملةٍ لتحقيق جودة الحياة في مجتمعٍ حيويٍّ، يبحث عن كنوز الثقافة لرصدها، واطِّلاع الأجيال عليها، بعد أنْ مرَّت بنا فترات تاريخيَّة -للأسف- أُتلفت فيها الكثير من الآثار التَّاريخيَّة الإسلاميَّة على يد مِمَّن سُمُّوا (بالصَّحوة)، وبفكرٍ أعوجَ خشية العبادة لغير الله، مع أنَّ الحديث في قول الرسول الكريم: (إنَّ الشَّيطانََ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعبَدَ فِي جَزيرةِ العَربِ..)!! يدحض ذلك الفكر القاصر، الذي دمَّر الكثير من الآثار التاريخيَّة، والتي تُعتبر جزءًا من كنوز الأُمَّة وحضارتها.

ولكن -بحمد الله وتوفيقه-، ثم برؤية ٢٠٣٠، التي تهدف إلى بناء (مجتمع حيويٍّ) كإحدى ركائز الرُّؤية، وتوفير الرفاهيَّة والازدهار للمواطنين، وزيادة اعتزازهم بتاريخهم وتراثهم الممتد، وجذورهم القويَّة الرَّاسخة، وهويتهم الثقافيَّة الفريدة، أثمر ذلك عن معطيات قويَّة من أهمِّها الاهتمام بالمعارض والمتاحف، ومنها متاحف في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، والدرعيَّة، والعُلا، ونجران.. وغيرهم.

كما عزَّز ذلك صدور الأمر الملكي من خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، باعتبار ٢٢ فبراير من كلِّ عام، احتفالًا بتأسيس الدَّولة السعوديَّة الأُولَى قبل ثلاثة قرون، علي يد المؤسِّس الأوَّل الإمام محمد بن سعود، عام 1727م في الدرعيَّة، فشهدنا خلال عامين انطلاقة متاحف ومعارض لم تكن توجد، لولا ذلك الاهتمام بالتاريخ الوطنيِّ للدولة السعوديَّة، وذلك لتعزيز الهويَّة الوطنيَّة واطِّلاع العالم على تاريخ كاد أنْ يندثر، لولا الفكر الناضج الذي يؤصِّل إلى نشر الوعي الثقافيِّ، وتعميق الصِّلة بالموروث الشعبيِّ والتاريخيِّ للدولة السعوديَّة منذ انطلاقتها، ومرورًا بالدولة السعوديَّة الثَّانية، على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود عام ١٨٢٤م، ثمَّ تأسيس الدولة السعوديَّة الثَّالثة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام ١٩٣٢م.

ومن تلك المعارض ما أطلقته مكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة بالرياض، الاثنين ٢٤ فبراير ٢٠٢٥م، من كرنفالٍ ثقافيٍّ علميٍّ بعنوان: (قلب الجزيرة العربيَّة)، وسيستمر حتى ٢٤ مارس، وذلك احتفاءً بالدَّولة السعوديَّة الأُولَى من مطلع القرن الثَّامن عشر الميلادي. ويحكي المعرض عبر الصور والوثائق والكتب، رحلة عبور ١٣٠٠ كم من أرض المملكة على خطى الرحَّالة (هاری سانت جون)، الذي أطلق على نفسه اسم (عبدالله فيلبي)، وكانت بداية الرحلة ١٥ فبراير ١٩١٧م، فوصل هو وفريقه إلى قلب الجزيرة العربيَّة على الجِمَال، ورصد روعة الصَّحراء، وما بها من نباتات ومدن وقرى، وعاصر مرحلة التَّأسيس للمملكة العربيَّة السعوديَّة، حيث كانت له أدوار مهمَّة كاستشاريٍّ إداريٍّ في تلك المرحلة. وأظهر المعرض أنَّه كان يدوِّن اسمَ كلِّ مكانٍ من: تلال، وأودية، وآبار، وأشجار، وطيور، وسحالي، وزهور، بل حتى العيِّنات الجيولوجيَّة، وكان يرسلها إلى المتحف البريطانيِّ.. وغير ذلك من الرَّصد التاريخيِّ والبيئيِّ والجغرافيِّ للمملكةِ العربيَّة السعوديَّة.

ولأن المتاحف والمعارض هي إرث حضاري يزدهر عبر الزمن، فقد عملت وزارة الثقافة على تطويرها، بإشراك الفنانين السعوديين في أعمال إبداعية، يستلهمونها من بيئاتهم وما فيها من كثبان رملية، ودواب، كالخيل والصقر والأشجار والنباتات الصحراوية.. فتصدح قريحتهم بأعمال فنية إبداعية، لذا جاء المعرض المتجول (فن المملكة) (Art of the King dome) في محطته الثانية بالرياض، في حي جاكس، بعد تحقيقه نجاحًا كبيرًا في محطته الأولى في (ريو دي جانيرو) بالبرازيل، ويستمرُّ المعرضُ حتَّى 24 مايو 2025م، قبل أنْ ينتقل إلى محطَّته الدوليَّة المقبلة في الصين، احتفاءً بالذِّكرى الـ25 للعلاقات الدبلوماسيَّة بين السعوديَّة والصِّين.

وتنوَّعت الأعمال الفنيَّة بين لوحات زيتيَّة، ومنحوتات، وأعمال تركيبيَّة، وقد تم ربطها جميعًا بتقنيات تكنولوجيَّة؛ ممَّا يُبرز دور الفن من إعادة بناء السرديَّات المجتمعيَّة والتاريخيَّة والبيئيَّة. ونتمنَّى أنَّ مثل هذا المعرض يجوب بعض مناطق المملكة، لاطِّلاع الأجيال على حضارة الدولة السعوديَّة، واستلهام رُؤى إبداعيَّة جديدة عند النشء.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store