يستغربُ البعضُ من حجم الدَّعم السعوديِّ لسوريا المحرَّرة.
لا يدركُ هؤلاء ما يكمنُ وراء درجة الاهتمام والمتابعة المستمرَّة والعميقة لما يحدث في سوريا. ومستوى الغِيرة على حاضرها ومستقبلها.
بل إنَّ الاستغراب يمتدُّ ليشمل، ليس فقط ما يجري في هذا الإطار على الصعيد الرسميِّ، وإنَّما -أيضًا- إلى تلك الدرجة العالية من الحرص، التي تُظهرها مجاميع الشعب السعوديِّ على سوريا، وعلى إخوتهم فيها.
يُعبِّرُ الاهتمامُ والحرصُ المذكوران عن نفسهما بأساليب وصور لا حصر لها. وتسهل رؤيته حتَّى على العين غير الخبيرة. من حجم الإقبال الهائل للتطوُّع في سوريا عبر الحملات الطبيَّة والإغاثيَّة، مرورًا بما يملأ وسائل التواصل الاجتماعيِّ، وأنماط الإعلام الأُخْرى، من آراء سعوديَّة مُفعمة بالحبِّ والأخوَّةِ للسوريِّين وبلادهم. وليس انتهاءً بالرِّعاية السياسيَّة المنقطعة النظير، والتي تَظهر بلسان الحال، ولسان المقال، في تصريحات وممارسات كبار المسؤولين فيها، وفي كلِّ قنوات الحِراك السياسيِّ الإقليميَّة والدوليَّة.
نحن بإزاء ظاهرةٍ فريدةٍ في الواقع العربيِّ المعاصر، لا يفهم خلفيَّتها، السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة، إلَّا مَن يدرك طبيعة ما جرى في المنطقة العربيَّة، خلال العام الماضي بشكلٍ عامٍّ. ثم ما حصل في سوريا بعد تحريرها من الطَّاغية الديكتاتور قبل ثلاثة شهور.
بالحسابات الإستراتيجية، تشكل سوريا عمقا إستراتيجيا لا يكاد يكون له مثيل للسعودية. وهو عمق كانت المملكة تدرك أبعاده منذ زمن طويل، وتحاول ضبط حركة النظام السابق للعمل بمقتضياته، بعيدا عن التحالفات مع أطراف إقليمية وعالمية، على مستوى الدول، وعلى مستوى الحركات العابرة لحدودها، لا تريد بمجملها الخير للمنطقة وأهلها.صبرت السعوديَّة كثيرًا. وما إنْ حصل الزلزالُ السوريُّ الكبيرُ في شهر ديسمبر الماضي، وتأكَّدت المملكة من توجُّهات أصحابه، حتَّى سارعت لاحتضانه، بكلِّ ما في الكلمة من معانٍ ودلالاتٍ.
حصل هذا في سياقٍ إستراتيجيٍّ أكبرَ، يتمثَّل في المسيرة المطَّردة للسعوديَّة على طريق تحمُّل مسؤوليَّتها الكُبْرى، إقليميًّا ودوليًّا، كلاعبٍ أساسٍ في السَّاحتين.
وفي حين كان الكلُّ يشكُو من وجود مشروعات إقليميَّة أُخْرى في بلاد العَرب وحولها، ومن غياب مشروعٍ عربيٍّ واضحٍ، كانت المملكةُ ترتِّب الأوراق، على جميع المستويات؛ للقيام بذلك الدور المُنتظر من قِبل مئات الملايين، التي سئمت واقع الفرقة والتَّشتُّت.
في هذا الإطار.. كَسرت سوريا المحرَّرة، بضربةٍ واحدةٍ، جملة معادلات صعبة، كانت تقف في وجه أداء السعوديَّة لدورها التاريخيِّ المأمول.
كان أوَّل تلك المعادلات، يتمثَّل في أخطبوط العبث والتخريب والفوضى، بتدخلات خارجية بشكلٍ هدَّد الأمنَ القوميَّ العربيَّ كله.
تحطَّمت كلُّ المعادلة في أيامٍ مشهودةٍ من تاريخ سوريا والعرب، وسقطت منها إلى الأبد -بإذن الله- أصعب حلقتين في حلقاتها المتشابكة، التي نسجت على مدى عقود، وما إنْ حصل هذا، حتَّى ضعُفَت الحلقات الأُخْرى، إلى درجةٍ فقدت فيها كل فعاليَّةٍ ممكنة، حاضرة أو مستقبليَّة.
ولم يكن تحطيم إمبراطوريَّة الكبتاغون بدوره، شأنًا عابرًا. يأتي هذا في إطار كون شباب المملكة، أهم عنصرٍ في معادلة العمل لوصولها إلى دورها المقبل.
تخفَّفت السعوديَّة، في ظلِّ هذا الواقع الجديد، من أعباء ومهمَّات كانت تستهلك الكثير من الطَّاقة والمقدَّرات، والوقت والجهد. وأصبح ممكنًا، نتيجة ذلك، السير بقوَّةٍ لملاحقة واستيعاب المتغيِّرات الهائلة التي تشهدها ساحة السياسة الدوليَّة، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.
لم يكن ممكنًا لسوريا المحرَّرة أنْ تظهر إلى الوجود في لحظةٍ تاريخيَّة أفضل.
وإذ تدرك السعوديَّة، كما لا تدرك دولةٌ أُخْرى، وفوق كل ما سبق، الكمون الإستراتيجي في سوريا، بإنسانها وثرواتها وتاريخها، وموقعها الإستراتيجي، فإنَّ حيرة البعض بخصوص التحالف الإستراتيجيِّ بين البلدين، تُعتبر بذاتها مدعاةً لأكبر التساؤلات.


