- من أجل تثبيت نزعته الاستهلاكيَّة، كان من الضروري أوَّلًا العمل على تفريغ إنسان العصر الحديث من القيم الروحانيَّة والمبادئ الأخلاقيَّة، وتغريبه عن نفسه، ثم اختطافه نفسيًّا وفكريًّا بإيهامه بالحصول على السعادة من خلال الاستهلاك والامتلاك الماديِّ.
- وبذلك، تورط الإنسان في فرط الماديَّة واللَّذة والاستحواذ، والدوران في ساقية العمل والكسب والطموح والشغف والترفيه، وتحجَّمت لديه القدرة على التأمُّل والتفكُّر والتدبُّر، وانطفأت في نفسه جذوة الإبداع، وضعُف في روحه تذوُّق الأدب والجَمَال.
- إنَّ فضيلة التأمُّل هي الفضيلة العظمى لدى (أرسطو)، والتي تحقق للإنسان الفاضل أخلاقيًّا؛ أقصى درجات السعادة والحرية. وفي هذا السياق، يقول (شوبنهاور): «الحياة عمل مؤسف.. وقد توصَّلت إلى قرار بوجوب قضائها في التأمُّل».
- التَّسامي.. حالة من النشوة المتعالية عن اللذات الجسديَّة الضاغطة؛ بهدف الحصول على أكبر قدر من اللذة العقليَّة الفكريَّة، لكن الوصول لهذه الحالة ليس متاحًا إلَّا للقليل من الناس. وقد سبق أنْ تناول هذه الفكرة (دوستويفسكي) في قوله: «إنَّ العصر الراهن هو عصر فقدان التَّسامي وفقدان الحساسيَّة، وهو عصر الجهل والكسل والعجز عن العمل، والحاجة إلى كل ما هو جاهز مهيَّأ.. ما من أحد يفكِّر اليوم قط.. قليلون أولئك الذين يقدرون أنْ يصنعوا لأنفسهم فكرة».
- إنَّ إشغال الإنسان عقله، وشرود ذهنه بالانغماس في الضوضاء والثرثرة، والصخب والإثارة الخارجيَّة للشعور بالمتعة، ومحاولة طرد الملل، دليل على انعدام نضجه العاطفيِّ، وفقدان قدرته على التأمُّل الفكريِّ، وفي هذا يرشدنا (شوبنهاور)، إلى أهميَّة تضييق دائرة معارفنا وأصدقائنا، للتخلُّص من العلاقات المزعجة وغير الضروريَّة، والمساعدة على التأمُّل، والالتفات لتحصيل الطمأنينة النفسيَّة.
- من الحلول تحديد اهتمامك، وتركيز ذهنك في أمور قليلة مهمَّة وشخصيَّة، تضمن لك السعادة وانضباط المزاج، إضافة إلى اللجوء للعزلة في غياب ضرورة الاختلاط بالناس، وممارسة التأمُّل والتعبُّد والقراءة، مع الاهتمام بالفنون بوصفها من أهم وسائل الانتشاء والبهجة والتَّسامي.
- ومن وسائل العلاج، اللجوء إلى الصِّيام عن الكلام (الصَّمت)، فهو من الرياضات التي ترتقي بالمزاج، وتُشجِّع على التأمُّل والاطِّلاع والتَّشافي، حتى تختمر الأفكار، وينضج العقل، ويرتفع الإدراك، ويزداد الوعي بالنَّفس والحياة، عندها يمكن لقليل الكلام أنْ يُعبِّر عن أعمق المعاني وأحسن الحِكَم.


