الحجُّ ركنٌ من أركان الإسلام، وقد فُرِضَ السَّنة التَّاسعة من الهجرة النبويَّة الشَّريفة -حسب اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء-، وذلك بعد استتاب أمور الدَّولة الإسلاميَّة في المدينة المنوَّرة، وتغلغُل الإسلام في أصقاع شتَّى؛ وجدُوا في هذا الدِّين ضالَّتهم؛ للخروج من الظُّلمات إلى النُّور. ثم فُرض الحجُّ لتكون مكَّة مهوى الأفئدة، وقبلةَ المسلمِينَ، يفدُون إليها مِن كلِّ فَجٍّ عميقٍ، ويؤدُّونَ شعائر ومناسك دينيَّة من صلب العقيدة الإسلاميَّة في الطَّاعة للهِ ولرسولِهِ، وقد كان أوَّل أميرٍ للحجِّ أبوبكر الصديق -رَضِيَ اللهُ عنهُ- ليعلِّمَ النَّاس المناسكَ والشَّعائر.
وأركانُ الحجِّ تشملُ: النيَّة، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة والسَّعي؛ وبدون هذه الأركان، لا يصحُّ الحجُّ.
أمَّا الواجباتُ فهي سبعٌ: الإحرام من الميقات -الذي يمرُّ عليه الإنسانُ حسب بلده-، والوقوف بمزدلفة، والمبيت بمنى ليلتَي الحادي عشر، والثاني عشر من ذي الحجَّة، ورمي الجمرات، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع، على أنْ يكون الوقوفُ بعرفة «حتَّى غروب الشَّمس». وإذا أخلَّ المسلمُ بأيٍّ من هذه الواجبات، فيلزم عليه دمٌ، وهو ذبحُ شاةٍ.
وما أرغبُ التحدُّث عنه هو التَّحلُّل من النُّسك بالحلق أو التَّقصير، وهو من أهم الواجبات في الحجِّ، وبالرغم من قوله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) «البقرة: ١٩٦»، بمعنى الذَّبح قبل الحلق، أو التقصير، ومع ذلك فإنَّ حديث رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- (افْعَلْ وَلَا حَرَج) يتيح للحاجِّ أنْ يكونَ أيٌّ منهما قبل الآخر.. وفي أعظم أيَّام الله يكونُ الحلق والتقصير، وهي العاشر، والحادي عشر من ذي الحجَّة غالبًا، حيث قمَّة الازدحام والتكدُّس في المشاعر المقدَّسة.
وبالرغم من توفير أمانة العاصمة المقدَّسة لمواقع مختلفة لخدمات الحلاقة والتقصير، إلَّا أنَّ الأعداد الهائلة من الحجَّاج تجعل الحلاقة العشوائيَّة مخرجًا لحلِّ المشكلة، فتنتشر الحلاقة العشوائيَّة في مخيَّمات الحجَّاج، وبطريقة مخالفة لكلِّ القواعد والمعايير الصحيَّة؛ حيث بموسٍ واحدٍ يُحلقُ للعشرات وبأبخس الأثمان!!.
هذا فضلًا عن رمي مخلَّفات الشَّعر في الطُّرقات في مناظر مقزِّزة؛ وتركها لفترة طويلة؛ ممَّا يتسبَّب في نشر الأمراض التي ينقلها الذُّباب والبعوض، ناهيك عن زيادة تكدُّس النِّفايات؛ بالرغم من توفُّر حملات وجولات من مراقبي أمانة العاصمة المقدَّسة.. ولكن للأسف لا يُلقَى لها بالٌ، بل يصعب إيقاع الغرامات، أو العقوبات على الأفراد؛ لأنَّ بعضهم من الحجَّاج أنفسهم.
وأرى ضرورة إصدار قرار من معالي وزير الحج والعمرة، بتخصيص أماكن في كل شركة من شركات الحج بأن يكون الحلق أو التقصير داخل مخيمات الشركة؛ تسهيلا على الحجاج في التحلل من النسك، ووضع معايير لذلك، ولا تكون فقط لمخيمات VIP، التي قد تكون مشمولة في (باقة A)، وأن تكون شاملة لجميع الباقات، وبهذا نخفف من وطأة التكدس والزحام، بل نحقق الراحة والطمأنينة لحجاج بيت الله الحرام.
وكذلك من الفوائد، ربَّما فتح المجال لشركات التَّدوير في إعادة استخدام الشَّعر في صناعات متنوِّعة، والاستفادة من الشَّعر في زراعته للمرضى، وخاصَّةً مرضى السَّرطان -أعاذنا اللهُ وإيَّاكم منه، ومَنَّ بالشِّفاء على كلِّ مريضٍ- والاستثمار في صناعات طبيَّة متنوِّعة، تعود على المسلمين بخير.. فكلنا يتذكَّر كيف كانت تُرمَى ذبائح الهدي، ولا يُستفاد منها، وما كانت تُسبِّبه من مشكلات.. ولكنْ بمشروع البنك الإسلاميِّ للتنمية في الاستفادة من الهدي والأضاحي وتوزيعها للمستحقِّين من الفقراء في داخل المملكة، بل وكافَّة الدُّول الإسلاميَّة، فكان المشروعُ ناجحًا بكلِّ المقاييس.
وهكذا، فإنَّ مشروع التحلل من النسك، يتطلب من وزارة الحج، وكدانة، دراسة وافية لتوفير الأماكن، ومساعدة رجال وسيدات الأعمال للاستثمار في المجال، وخلق فرص عمل واعدة للشباب، وتكون ضمن دخل الباقات؛ لخلق اقتصاد مزدهر في مكة المكرمة.. أو ربما عمل مساج لليدين، والأقدام بعد التعب، والمجهود الكبيرReflexology. ولا يقتصر ذلك على الرجال، بل ربما للسيدات أيضًا في التقصير، وتعطى المهمة للسيدات المكيات، ونعيدُ للتَّاريخ رونقه، وهو من ضمن أجمل الطُّقوس الشرفيَّة التي كانت المطوِّفة المكيَّة تقوم به، وهي قصُّ الشَّعر للحاجَّة، وفكُّ الإحرام لها.. ولسعادة الحاجَّة بهذا الشَّرف تُقدِّم هدية للمطوِّفة.. أو ربَّما إجراءات تقليم الأظافر، والاستشوار ليوم العيد، والشُّعور بالبهجة والسَّعادة في ذلك اليوم الاستثنائيِّ.
ودولتنا العزيزة دائما تهتم بكافَّة التفاصيل التي تُسهم في تقديم أرقى الخدمات لحجَّاج بيت الله الحرام، لتكون رحلة الحجِّ ذكرى لا تُنسى.


