«درب الدموع» يُعدُّ واحدًا من أكثر الفصول إيلامًا وإثارةً للخزيِّ في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكيَّة.. شهد هذا الحدثُ المأساويُّ تهجير آلاف السكَّان الأصليِّين قسرًا من أراضيهم التقليديَّة، في الجنوب الشرقيِّ للولايات المتحدة، إلى مناطق غرب نهر المسيسيبي، وذلك بأوامر حكوميَّة. بدأت هذه العملية في ثلاثينيَّات القرن التاسع عشر، عندما أصدرت الحكومة الأمريكيَّة، بقيادة الرئيس أندرو جاكسون، قانون إزالة الهنود عام 1830. هذا القانون منح السلطات الفيدراليَّة صلاحيَّة التفاوض مع القبائل الأصليَّة؛ لنقلهم من أراضيهم الشرقيَّة، إلى مناطق محدَّدة غرب النهر، والتي عُرفت لاحقًا باسم «الأراضي الهنديَّة»، وهي تقع حاليًّا في ولاية أوكلاهوما.
كان للرئيس أندرو جاكسون، دورٌ محوريٌّ في تنفيذ سياسة التَّهجير القسريِّ. دافع جاكسون عن القانون؛ باعتباره وسيلةً لحماية القبائل من الصراعات مع المستوطنين البيض، ومن الانقراض المحتمل، لكنَّ الهدفَ الحقيقيَّ كان فتح الأراضي الشرقيَّة الخصبة للمستوطنِينَ الأوروبيِّينَ، وتوسيع الأراضي الزراعيَّة. بعد توقيع القانون، بدأت الحكومة الفيدراليَّة في إجبار القبائل على التَّوقيع على معاهدات، تَنَازَلَ -بموجبها- السكَّانُ الأصليُّون عن أراضيهم، مقابل وعود بدعم ماليٍّ وأراضٍ جديدةٍ في الغرب. ومع ذلك، كانت هذه الوعود -غالبًا- غير مُنفَّذة، وعانت القبائل من ظروف قاسية، خلال عمليَّة النَّقل.
بعد جاكسون، واصل الرئيس مارتن فان بيورين، تنفيذ سياسة التَّهجير القسريِّ بلا تردُّد. في عام 1838، أمر فان بيورين، الجيشَ الأمريكيَّ بإجبارِ قبيلة الشيروكي، وهي واحدةٌ من كُبْرَى القبائل الأصليَّة، على مغادرة أراضيها في جورجيا، وتينيسي، وكارولينا الشماليَّة. أدَّى ذلك إلى (مسيرة قسريَّة) عُرفت -لاحقًا- باسم «درب الدموع»، حيث لقي ما بين 4,000 إلى 6,000 فرد من قبيلة الشيروكي حتفهم؛ بسبب الجوع والمرض، وسوء الأحوال الجويَّة، خلال الرحلة التي استمرَّت لعدَّة أشهر. بالإضافة إلى الشيروكي، تعرَّضت قبائل أُخْرى -أيضًا- لعمليَّات تهجيرٍ قسريٍّ مماثلةٍ؛ ممَّا أدَّى إلى وفاة الآلاف من أفرادها.
لعب الكونغرس الأمريكي، دورا أساسا في إقرار قانون إزالة الهنود، حيث دعم العديد من أعضائه، السياسة التوسعية التي هدفت إلى استغلال الأراضي الخصبة، التي كانت تحت سيطرة القبائل الأصلية. ومع ذلك، واجه القانون معارضة من بعض السياسيين والشخصيات البارزة، مثل عضو الكونغرس ديفي كروكيت، الذي رفض القانون، ووصفه بأنه غير أخلاقي وغير إنساني. كما عارضه بعض القادة الدينيين والمفكرين.
لم تكن عمليَّة التَّهجير مجرَّد حدث مؤقَّت، بل كان لها تأثيراتٌ طويلةُ المدى على السكَّان الأصليِّين. أدَّت هذه السياسة إلى تدمير مجتمعات بأكملها، وفقدان الأراضي التقليديَّة، وتفكُّك الثقافات واللُّغات الأصليَّة. كما تركت ندوبًا عميقةً في ذاكرة الشعوب الأصليَّة.
قصَّةُ التَّهجير القسريِّ للسكَّان الأصليِّين، ليست فريدةً من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة، بل تتكرَّر في العديد من المناطق التي استعمرها الغربُ. ففي أمريكا الشماليَّة والجنوبيَّة وإفريقيا وآسيا، تعرَّضت الشعوب الأصليَّة لسياسات مماثلةٍ من التَّهجير والإبادة الجماعيَّة؛ ممَّا أدَّى إلى فقدان أراضيهم وثقافاتهم.
«دربُ الدُّموعِ» ليس مجرَّد واقعةٍ تاريخيَّة، بل يمثِّل شاهدًا حيًّا على الظُّلم الذي تعرَّضت له الشُّعوب الأصليَّة في مختلف أنحاء العالم، وهو نمطٌ تكرَّر عبر التاريخ، كما حدث مع وعد بلفور في فلسطين، ولا تزال تداعياته مستمرَّة حتَّى يومنا هذا.


