لا أحدَ يخطِّط للمدن العاديَّة، كما يُخطَّط لمكَّة، فهذه المدينة ليست كغيرها، ولن تكون. عندما نتحدَّث عن تطوير مكَّة، فنحنُ لا نتحدَّث عن مشروعات بنية تحتيَّة تقليديَّة، أو تحسينات تجميليَّة، بل عن إعادة تعريف مفهوم المدينة الذكيَّة، حيث تلتقي القدسيَّة بالابتكار، ويصبح التطوير وسيلةًَ للحفاظ على هويَّة المكان، لا وسيلة لطمسها.
إذا كانت العواصم الاقتصاديَّة العالميَّة تتسابق نحو الذكاء الاصطناعيِّ والمدن الذكيَّة، فإنَّ مكَّة ليست بحاجةٍ إلى أنْ تلحقَ بالرَّكب، بل إلى أنْ تصنعَ نموذجها الخاص. نموذجٌ يجمعُ بين التَّخطيط العمرانيِّ المرن، والتقنيات الحديثة، والإدارة الفعَّالة للحشود، والاستدامة البيئيَّة؛ ليجعل من هذه المدينة أعظمَ مختبرٍ عالميٍّ؛ لتطوير المدن الذكيَّة، حيث التجربة ليست نظريَّةً، بل تُختبر على أرض الواقع، وبمعدَّلات استثنائيَّة لا تحدثُ في أيِّ مدينة أُخْرى.
في كل عام، تتحول مكة إلى مدينة متكاملة، تدير ملايين البشر في مساحة محدودة، خلال فترة زمنية قصيرة. أي خطأ في التخطيط، أي خلل في الإدارة، أي تأخير في الخدمات، قد يكون له تأثير مضاعف، لا يحدث في أي مكان آخر. ولهذا، فإن نجاح مكة في إدارة مواسم الحج والعمرة، لهو درس عالمي في كيفية تشغيل المدن الذكية بأعلى درجات الكفاءة.
«مركازُ البلد الأمين» ليس مجرَّد فعاليَّة، بل منصَّة لصناعة الحلول، حيث يلتقي الخبراءُ، والمخطِّطُونَ، والمستثمرُونَ؛ ليبحثُوا كيف يمكن تحويل مكَّة إلى نموذجٍ مُستدامٍ للمدينة الذكيَّة. الذكاءُ هنا لا يُقاس بعدد الأبراج العالية، بل بقدرة التكنولوجيا على خدمة الإنسان. وهل يمكن أنْ تكون مكَّة مدينةً رقميَّةً بالكامل، بحيث تتم جميع الخدمات بلمسةٍ واحدةٍ، ومن أيِّ مكان؟
في مدن أُخْرى، يتمُّ اختبار التكنولوجيا الذكيَّة على نطاق محدودٍ، ثمَّ يتم توسيعها تدريجيًّا. أمَّا مكَّة، فهي تختبرُ هذه الحلول بأعلى طاقتها، منذُ اللحظة الأولى. نجاح أيِّ فكرة في مكَّة يعني أنَّها قابلة للتَّطبيق في أيِّ مدينة أُخْرَى في العالم، مهما كان حجمها، أو عدد سكَّانها. ولهذا، فإنَّ الشركات التي تستثمر في ابتكار الحلول لمكَّة، لا تستثمر في مدينةٍ واحدةٍ، بل في مستقبل المدن الذكيَّة عالميًّا.
اليوم، لم يَعُد السُّؤال: هل يمكن لمكَّة أنْ تكونَ مدينةً ذكيَّةً؟ بل أصبح: متَى سيتمُّ الاعترافُ بها كأهمِّ مختبرٍ عالميٍّ لحلول المدنِ الذكيَّة؟ وهذا الاعتراف لن يأتي فقط من المؤتمرات والتوصيات، بل من التَّجارب النَّاجحة التي يمكن تصديرها إلى العالم. هنا، حيث التَّقنية تُسخَّر لخدمة الإنسان، وحيث التَّنمية الحضريَّة تأخذ طابعًا أكثر إنسانيَّةً، وحيث كلُّ تطوير يحملُ في طيَّاته احترامًا لتاريخ المكان، تُكتب قصَّة جديدة، ليس لمكَّة فقط، بل لمستقبل المدن كلِّها.


