Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

لماذا لا يعيِّن الرسل من يخلفهم؟!

A A
سؤالٌ في غاية الأهميَّة، والإجابة عنه -حتمًا- تحملُ الكثير من الدِّلالات التي يستوجب تحليلها بعقلانيَّة وموضوعيَّة، والإفادة منها. ولعلِّي هنا أُدلي بدلوي حول الإجابة عن هذا السُّؤال من منطلقٍ عقلانيٍّ وموضوعيٍّ فأقولُ:

إنَّ كلَّ الرسل -عليهم السَّلامُ جميعًا- اختارهم اللهُ تعَالى لمهمَّةٍ محدَّدةٍ، وهي تبليغُ رسالةٍ من ربِّهم إلى أممهم، الهدفُ منها تبيان مطالب وآليَّات العبادة التي خلق اللهُ الجِنَّ والإِنسَ مِن أجلها، فتلك الرِّسالات لها محتوى مكتوب، أنزلهُ اللهُ تعالى في كتبهِ السَّماويَّة عن طريق الوحي، أو من خلالِ القدوة في السُّلوك، والمعاملة التي يتمثَّل بها أولئك الرسلُ، فهذه المهمَّة تُعدُّ من أهمِّ وأعظمِّ وأصعبِ المهمَّات؛ كونها تهدف إلى إصلاح العباد سلوكًا وقيمًا ومعاملةً، وكونها تنير الطَّريق لأممهم؛ لتحقيق مطالب العبادة المستوجبة عليهم، فمن خلال هذا الإجماع، في عدم تعيين خلفاء من قِبلهم، كون مهمَّتهم تبليغ الرِّسالة، وليس الحكم المدنيَّ لأممهم، ومن هنا نستنتجُ أنَّ ما يأتون به ضمن رسالاتهم، يُعدُّ إصلاحًا عقديًّا في المرتبة الأُولى؛ لمنع الانحراف العقديِّ كالشِّرك بالله، والكُفر بأوامره سبحانه، التي تخالف المطلب الرَّباني بتوحيد الله سبحانه، وعدم الكفر به وبأنعمه، ثم إصلاح القيم والسلوكات البشريَّة؛ كي تصبح فاضلةً، أمَّا البناءُ السياسيُّ الذي تقوم عليه الدُّول في الرِّسالات السماويَّة، فهو أمرٌ مدنيٌّ بحت، تستمدُّ أنظمته وقوانينه من تلك القيم والسلوكات النبويَّة، ثمَّ تُبنى بعد ذلك أنظمة وسياسات مدنيَّة، من خلال المصالح السياسيَّة والتجاريَّة والاجتماعيَّة والعسكريَّة التي تحتاجها كل دوله حسب معطياتها المتاحة، وحسب الحاجة لها، وحسب الظروف المحيطة بها، فاللهُ -سبحانه وتعالى- ترك هذه الأمور للعباد أنفسهم؛ كي يضعوها وفق متطلَّباتهم وحاجاتهم الدنيويَّة، أمَّا رسالات الأنبياء، فهي تقوم على إصلاح الأفراد قيمًا وسلوكًا، وفق المطالب الشرعيَّة التي تضمَّنتها رسالاتهم، وكتبهم السماويَّة؛ كون المطالب الجمعيَّة لكلِّ البشر تختلف عن المطالب الحياتيَّة للفئات والجماعات التي تتمثَّل في أنظمة وسياسات الدُّول التي تتضمَّنها الحدود السياسيَّة، واستثمار ثرواتها، والدفاع عنها وتنمية أفرادها.

ومن ذلك نستطيع القول: إنَّ العلاقة بين الرَّب والعباد تختلفُ عن العلاقة بين العباد أنفسهم، فالعلاقة بين الرَّب والعباد تقوم على إقامة الشَّرائع السماويَّة، التي تتحقَّق من خلالها مطالب العبادة للهِ -سبحانه وتعالى- وفق ما أوردته الكتبُ السماويَّة المرسلةُ من قِبل رسلِ الرَّبِّ، والتي تقوم على مطلب التَّوحيد للهِ -سبحانه وتعالى-، وعدم الإشراك به، بالإضافة إلى تحقيق مطالب العدل، والمساواة، والعلاقات الاجتماعيَّة بين الأفراد كالعلاقة بين الأبناء ووالديهم وأسرهم، والأزواج وزوجاتهم، والعلاقة التي تربط العلاقات المدنيَّة للشُّعوب، وتحقيق قيم التكافل والتراحم والتواد؛ وفق الأنظمة التي أنزلها اللهُ تعالى في كتبه بين البشر أنفسهم.

أمَّا الأنظمة المدنيَّة، التي تقوم عليها الدَّولة مع شعبها، أو الدُّول مع بعضها، فهي أنظمة مدنيَّة، وضعها البشرُ أنفسهم تضمَّنتها أنظمتهم، وقوانينهم، ودساتيرهم المدنيَّة.

ولعلنا هنا نخلص -بعد هذا كله- إلى أن العلاقة بين الرب وعباده غير قابلة للتغيير أو التعديل، إلا من خلال رسالة أخرى ترسل عن طريق رسول آخر، أما العلاقات بين الحكومات المدنية، فهي قابلة للتعديل والتغيير والتطوير حسب المستجدات الحياتية، وحسب الظروف والحاجات لكل دولة من تلك الدول.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store