Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

السفينة السورية.. إذ تمخر عباب التحديات

A A
بمزيجٍ من احترام الواقعيَّة، واستمرار الحلم، تمضي سوريا، التي تحرَّرت منذ مئة يوم، على طريق البناء والتَّعمير، ومواجهة التحدِّيات الداخليَّة والخارجيَّة. يحصل ذلك، «بتأنٍّ ولكن بثقة»، وبعيدًا عن الضجيج الذي يملأ فضاءات وسائل التشاكُل الاجتماعيِّ، بكل خَطَلِها وأوهامها الكبيرة.

ثمة مشاهدُ ثلاثة تُظهر تلك الحقيقة، رآها السوريُّون خلال الأيام الماضية.

داخليًّا، وفي إطار التَّعامل مع الوضع في السويداء، تمضي الأمورُ قُدُمًا، بهدوء، وبغضِّ النَّظر عن (الهمروجات) التي تظهر فيها، وعنها، هنا وهناك.

فثمَّةَ (ترتيباتٌ) تَكتمِل. ولكنْ، مع جرعةٍ من (صبرٍ إستراتيجيٍّ) يستندُ بقوَّة إلى لحظة اعترافِ بعض أصحاب النفوذ الغالب فيها، حتَّى الآن، بخلطةِ إكراهات الجغرافيا، والاجتماع البشريِّ، والاقتصاد السياسيِّ، التي تفرض نفسها بشكلٍ صلدٍ ونهائيٍّ، قد تُمكنُ (الخربشة) عليه، ولكن، لا يمكن إلغاؤه.

هذا واقعٌ يُدركه عقلاءُ ووطنيُّون في المحافظة، وهم سنَدُها الإستراتيجيُّ الحقيقيُّ، نهاية المطاف. لكن صبرهم المديد مطلوب؛ لأنَّ من طبيعة توقيت اقتلاع الظواهر الشاذَّة في اجتماعٍ بشريٍّ معقَّدٍ، وفي لحظةٍ تاريخيَّةٍ فاصلةٍ، أنَّه يحتاج لذلك الصبر.

وفي المشهد الثاني، نرى حرصَ الكرملين على الإعلان، منذ ثلاثة أيام، وبشكلٍ رسميٍّ، عن رسالةٍ من الرئيس بوتين للرئيس السوريِّ أحمد الشرع. فلماذا يحصل ذلك؟.

ما يُقرأ في الخلفيَّة أنَّ موسكو تبدُو وكأنَّها قد أدركت، أخيرًا.. أنَّ مصالحها الإستراتيجيَّة لا تتحقَّق إلَّا بدعمِ سوريا الجديدة. ومغادرة أوهام الرِّهانات على خياراتٍ أُخْرى.. مرَّةً واحدةً، وإلى الأبد.

وما لا يعرفهُ كثيرُون -لكنَّ موسكو تعرفه تمامًا- هو ما عَرَضته دمشق على دولٍ كُبْرى في الإقليم، وفي العالم، بخصوص أحداث السَّاحل الأخيرة، بأحداثها وأدوار اللَّاعبين فيها.

من هنا، وبعد قراءةٍ أخيرةٍ، نأملُ أنْ تكون نهائيَّةً وشاملةً، للمشهدِ السوريِّ، جاءَ حرصُ الكرملين على إعلان رسالةٍ أرسلها بوتين للقيادةِ السوريَّة، بعد مكالمته الطَّويلة مع الرئيس الأمريكيِّ دونالد ترامب.. يُشدِّدُ فيها «بقوَّة على دعم جهود القيادة السوريَّة لتحقيق الاستقرار في البلاد في أسرع وقت ممكن»، مع التَّأكيد على «استعداده لتطوير التَّعاون مع القيادة السوريَّة».

ما يلفت الانتباه أنَّ هذا جرى في ظلِّ عدم إعلان القيادة السوريَّة عن تلك الرسالة..

ومن روسيا إلى ألمانيا، ينتقل بنا المشهد الثالث للملحمة السوريَّة اللاحبة.

ثمَّة مثلٌ ألمانيُّ يقول: «Wer rastet, der rostet» معناه التَّقريبي (مَن يَسْتَرحْ، يَصْدَأْ)، وذكرَتهُ وزيرة الخارجيَّة الألمانيَّة في بعض لقاءاتها مع مسؤولين سوريِّين في معرض وصفها، وإعجابها، بما رأته من حال السوريِّين في ألمانيا، ولما تراه من السوريِّين بعد التحرير بشكلٍ عامٍّ.

لهذا، لم يكن غريبًا أنَّ «أنالينا بيربوك» حرصت على الذهاب بنفسها إلى دمشق؛ لإعادة افتتاح السفارة الألمانيَّة فيها، منذ يومين.

وهذا رغم انشغالها البالغ بمشكلات أوروبا المتصاعدة، ورغم أنَّ مثل هذا الافتتاح حصلَ من دولٍ أصغرَ بكثيرٍ، ودون قدوم وزراء خارجيتها.

يتضافرُ هذا مع ما تنقله مصادر موثوقة، أوروبيَّة وألمانيَّة، عن درجةٍ عاليةٍ من الاهتمام المتميِّز لدى الحكومة الألمانيَّة، ووزارة الخارجيَّة تحديدًا، بالاستقرار في سوريا، وبإظهار ذلك الاهتمام من خلال الممارسات والأقوال. بل إنَّ المصادر ذاتها تتحدَّث عن «مودَّةٍ» خاصَّةٍ وكبيرةٍ، تجاه السوريِّين، وحماسةٍ لمساعدتهم، لا تُخفيها الوزيرةُ في ردهات الحكومة ووزارة الخارجيَّة.

من هنا، تضمنَّت تصريحاتها في دمشق تأكيدها على أنَّ «التدخُّل الأجنبيَّ في سوريا لم يجلب في الماضي سوى الفوضى»، وعلى أنَّ «مستقبل سوريا يجب أنْ يقرِّرُه السوريُّون بأنفسهم وبقرارهم السياديِّ»، مع التأكيد على ضرورة تجنُّب أيِّ تهديداتٍ يمكن لها «تقويض المصالحة الداخليَّة السوريَّة». وحين نعلمُ أنَّ «بيربوك» مرشَّحةٌ بقوَّة لتُصبح رئيسة الجمعيَّة العامَّة للأُمم المتَّحدة في غضون شهور، فإنَّ أهميَّة الموضوع تبدُو أكثرَ وضوحًا، في معرض الرِّياح التي تهبُّ في أشرعة سوريا الجديدة.

إستراتيجياً.. وضع البلاد يمضي من أفضل إلى أفضل كل يوم.. وعلى مقولة: «إن الطائر الذي يجلس على الشجرة، لا يخاف أبداً من انكسار الغصن؛ لأن ثقته ليست في صلابة الغصن، وإنما في قوة أجنحته! ولن ينفع الباحثين ضجيج الهواة في معرفة الحقائق بخصوص ما يجري في سوريا! والأسوأ أن ينجر المرء وراءهم في (همروجة) تلو أخرى، تتعلق بتلك الأحداث، فيفقد مصداقيته، فوق زيادة جهله!!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store