مؤسفٌ ما يُلحظ من تنامي غياب الطُّلاب، وصولًا إلى أنْ أصبح ظاهرةً تستوجب التدخُّل العاجل، بإيجاد الحلول العمليَّة، التي تكون من القوَّة أنْ تحدَّ من هذه الآفة، التي لا يمكن معها تحقيق مستهدَفات التَّعليم، وبناء جيلٍ يُعوَّل عليه بتحمُّل المسؤوليَّة، تلك المسؤوليَّة القائمة -في أساسها- على وجوبِ توفُّر قيمة الانضباط.
وهي قيمة أساس في نجاح أيِّ مجتمعٍ يطمحُ إلى أنْ يكون شريكًا في التنمية، ويسهم بفاعليَّة في البناء نحو هدف الوصول إلى مصاف العالم الأوَّل، ذلك العالم الذي لم يكن ليصل إلى ذلك، إلَّا من خلال ما كان لديه من ذخيرة في مخزون الانضباط، وما يملكه من إيمان بأهميَّة الوقت، الذي يأخذ في حسبانه الثَّانية قبلَ الدَّقيقة والسَّاعة، واليوم قبل الشهرِ والعامِ.
إنَّ ممَّا يدلُّ عليه غياب الطُّلاب الجماعيِّ، وجود خلل في إعدادهم، رغم إشعارات نجاحهم، فالطَّالب الذي يحضر، ويغيب متى ما أراد، طالبٌ لا يملك قيمة (الاحترام) لما تعلَّمه، وهذا شأن يستدعي المراجعة، وإصلاح هذا الخَلل البَيِّن، الذي يستوجب الحزم، ولا غير الحزم.
إنَّ مسألة التَّراخي في التعاملِ مع إهمال الطَّالب، مدعاةٌ إلى التَّمادي، وما ظاهرةُ الغيابِ إلَّا نتيجة لمعطيات غياب المساءلة، وتبعاتها، فماذا كانت النتيجة؟ أنْ أصبح الأسبوعُ الميِّت أسبوعين، وأيام الدِّراسة الخمسة أربعة، ورمضان الفتوحات الكُبْرى هذه، أترك الإجابة لكم.
إنَّ الأسرةَ التي تدفعُ أبناءَها إلى الغياب دفعًا، أو تتغاضَى عن ذلك تحت ذرائع، ومبرِّرات واهيةٍ، تضرُّهم من حيث تعتقدُ أنَّها تنفعُهم، فهي تُؤسِّس فيهم الإهمالَ، واللامبالاة، وعدمَ احترامِ النِّظام، ثم في الغد تتساءل عن سبب ضعف مستواهم الدراسيِّ، وفقر حصيلتهم العلميَّة، وتتناسى أنَّها هي مَن قدَّم سبتَهُم، وعليهَا أنْ تتحمَّل كلَّ التبعات يومَ أحدِهِم.
في وقت من المهم -إذا ما أُريد العلاجُ- أنْ يتمَّ رصدُ الغياب بمصداقيَّة، ثمَّ المتابعة بحزم، وكما هو التَّعليم الجامعي، الذي يرى في غياب الطَّالب، وحضوره، أساسًا في تقييمه، فإنَّ في تعميم ذلك على مدارسنا خطوةً متقدِّمةً في اختصار الوقت، والجهد، نحو علاج هذه (الآفة) المدمِّرة لكلِّ بناء التَّعليم، وانتظار ثمرته.
دعونا قبل الحديث عن الآمال، والطُّموح، والتطلُّعات أنْ نتكاتف في علاج ظاهرة الغياب الجماعيِّ؛ لأنَّ النَّجاح في علاج ذلك نجاحٌ له ما بعده من توالي النَّجاح؛ ولأنَّك أبٌ فمن المسلَّمات أنَّك -عدا ابنك- لا تريدُ أنْ يكون أحدٌ أفضلَ منك، أثقُ أنَّك تدركُ أنَّ حضوره طريقه، وطريقك إلى ذلك، فلماذا إذًا تسمح له بالغياب؟! أبلغ إجابة هي ما سوف تتَّخذه في شأن غيابه من خطوات واسعة للأمام.. وعلمِي، وسلامتكُم.


