من روائع شهر رمضان الكريم، أننا نعيد استكشاف النِّعم التي قد لا نلحظ روائعها طوال العام.. اشتريت اليوم «كافاتيرة» كهربائية عادية بمعايير اليوم، ولكنها مذهلة في تفاصيلها العلمية.. فضلاً ملاحظة أن الكلمة اللاتينية الأصل Caffe tierra ومعناها «مكان القهوة»، تُستخدم في معظم الأحيان بمفهوم «غلاية» المياه.. وهدفها الأساس هو رفع درجة حرارة الماء بسرعة وفعالية إلى مستوى الغليان. ولكن «الكافاتيرة» تختلف عن الغلاية، فبالإمكان تحضير الشاهي والقهوة بداخلها، وفي الطراز الذي اشتريت، يمكن أن ترفع درجة حرارة الماء إلى مستوياتٍ ما؛ دون درجة الغليان، من خمسين درجة فأعلى.. والهدف هنا هو أن بعض أنواع الشاهي الأخضر، وبعض أنواع القهوة تتطلب درجات حرارة تحت درجة الغليان لتفادي مرارة الطعم.. ولكن روائعها لا تنتهي عند رفع الحرارة، فبعد الوصول إلى الدرجة المطلوبة، ستتوقف تلقائياً، بل ويمكن أن تُبقي على الماء حاراً أو دافئاً وكأنها تقول لك: «بانتظارك يا سيدي».. ولكن نعمة «الكافاتيرة» هي أكثر من ذلك بكثير، فهي أداة تضع بين أيدينا قدرة التحكم في الطاقة، وهذه من المعجزات التي سخرها الله عز وجل.. والواقع الإعجازي العلمي المذهل؛ هو أننا نتحكم في الطاقة بطريقة غير مسبوقة في التاريخ.. وللعِلم، فمن عشرات القوانين في العلوم؛ هناك أربعة لهم مكانة خاصة جداً، وهم قوانين «الديناميكا الحرارية».. ويشملون مفهوم الحرارة، والمحافظة على الطاقة، وانتقالها، ومفهوم البرودة المطلقة.. وأول ثلاثة ستجدها بتوفيق الله في تشغيل الكافاتيرة بضغطة زر.. وهذه القوانين تُنسب إلى العلماء الكبار، مثل «بولتزمان»، و»كلفين»، و»سعدي كارنوه»، و»كلازيوس»، و»هيلم هولتز»، وغيرهم من نجوم العلوم في أوروبا في القرن التاسع عشر..
وهنا لابد لنا من وقفة جادة، فمن يبحث في هذا الشأن لن يجد الإرث العلمي الإسلامي الرائع الذي مهد الطريق للعديد من الأفكار العلمية في هذا الشأن.. وأشير إلى الجهود المثمرة للبروفسور «سائر بصمه جي»، الذي نجح ببراعة في الكشف عن أعمال علماء المسلمين في هذا المجال، ومنهم: جابر بن حيان، والكندي، والفارابي، وابن سينا، والبغدادي، وابن رشد، والرازي، والطوسي، وغيرهم في كتابه المتميز بعنوان: «تاريخ علم الحرارة».
وبالرغم من روائع «الكافاتيرة» ومنافعها، فهناك بعض من مصادر القلق في تشغيلها، وأهمها مادة بلاستيكية اسمها «البس في نول أ».. ولنطلق عليها مجازاً اسم «البِس».. وهو أحد أنواع البلاستيك الواسعة الانتشار، الذي تجده في منتجات كثيرة من عبوات المياه، وكحماية لأسطح داخل معلبات الغذاء، وبعض مكونات «الكافاتيرات».. وعمليات غليان الماء المتكررة قد تُعرِّضنا لكميات ضئيلة جداً من المواد البلاستيكية متناهية الصغر عبر السنين في الشاهي، والقهوة، والطبخ، والماء.. وللعلم فهناك العديد من الكافاتيرات الخالية من هذه المخاطر، ويُكتب عليها «خالية من البس في نول»، والإجراء السليم هنا هو التأكيد قبل الشراء من خلو المنتجات من هذا «البس» الخبيث، والمنتجات البلاستيكية الضارة.
* أمنيــــــات:
أتمنى أن لا ننسى الإرث العلمي الجميل لعلماء المسلمين في مجال انتقال الحرارة والطاقة بشكلٍ عام، وأن يوثق ذلك بوضوح في المناهج الدراسية في جميع الدول الإسلامية.. وأتمنى أن يوثق محتوى «البس في نول» في جميع «الكافاتيرات»، وأن توضح مخاطر البلاستيك في المواد الغذائية.. وأخيرا، أتمنى أن نتذكر نِعم الله العظيمة علينا في كل مرة نطوع الطاقة لتحسين حياتنا، سواء كانت للطبخ، أو تحضير الشاهي والقهوة، أو أي من نِعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى.


