Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

يوميات رجل عانس.. لخفض العنوسة أم لزيادتها؟!

A A
‏ما أن يهلّ شهر رمضان المبارك حتى تهطل علينا القنوات الفضائية بزخاتٍ من الدراما التلفزيونية بصورةٍ تنافسية، تنمّ عن أهداف خفية؛ قد لا يُدركها المواطن العادي.. وينجرّ ويلهث وراءها الكثيرون!! مع أن رمضان في الأصل هو موسم العبادة والطاعة.. ومع ذلك، فإن هناك بعض البرامج من (القيمة) التي قد تصل مشاهدتها حد العبادة؛ لأنها تتناول قِيَم ومبادئ ينعكس أثرها على الفرد والمجتمع، والوطن والأمة؛ ومن تلك البرامج (حكاية وعد)، وهو البرنامج الذي تُقدِّمه MBC، والذي به الكثير من الرصد والتوثيق للقيادات العليا في الدولة، وعلى رأسهم سمو الأمير محمد بن سلمان في إدارة دفّة التغيير والتطوير.. وبرنامج (سين)، للمتألق أحمد الشقيري، من أجل التغيير وتوعية الفرد في أهمية التحسين في دائرته الخاصة.

‏وفي رمضان وبعد مائدة الإفطار، تتحلَّق الأُسَر حول التلفزيون، حيث تحتاج إلى جرعة من الفرفشة.. ولكن مع هدف اجتماعي قيِّم. وقد شدَّني عنوان مسلسل: (يوميات رجل عانس)، وتوقعتُ أنه يُعالج أسباب العنوسة التي انتشرت بين الرجال.

‏وبالرغم من أن المسلسل كوميدي، والمفترض أن تُوظَّف الكوميديا في علاج المشكلات الاجتماعية، ولكن للأسف تم تناول الموضوع بكثير من السطحية والتهريج؛ فبطل المسلسل (عبدالله)، الذي تجاوز الثلاثينيات من عمره، وتُقرِّر والدته؛ البحث له عن زوجة، حيث إن أمنيتها أن ترى أبناءه.. ولكن في رحلة البحث كانت مقومات الجمال الخارجي أساسية، فهي تذهب وبكل سذاجة إلى حفلات الزفاف لتخطب له ‏أي واحدة، بل حتى أخواته يبحثن له عن عروس في السوشيال ميديا!! حتى لو في مدينة أخرى، على أن يشد الرحال إليها.. فهل معيار الجمال هو الأساس في اختيار شريكة الحياة!؟ مع أن حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم- يقول: (تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك)؛ فالجمال أحد معايير الزواج.. وهناك مقومات أخرى حتى تتحقق السعادة الزوجية، ومنها صلاح المرأة، والأسرة التي تنتمي لها، وحفاظها على دينها.

حقيقةٌ أُخرَى، هي أن شلة الأصدقاء الذين حول (عبدالله)؛ يبدو أنهم جميعاً (عوانس)، وعادةً يكون تأثير الشلة على رأي الفرد كبيراً لدرجة التضليل، وعدم الوصول لحل حقيقي للمشكلة.

‏المسلسل مستوحى من كتاب (يوميات رجل سعودي عانس)، ولكن الإخراج غير موفق، فكيف يُصوَّر أنه ليس هناك أسرة سعيدة في الرياض كلها!؟ إذ يعمل على سؤال إعلامي للشارع فيقول له: (هل أنت سعيد في زواجك؟)، وللأسف فإن نسبة كبيرة تقول: لا!! والتقرير خلاصته، ليس هناك سعادة في الزواج في الرياض!!، ومع وجود كل مقومات الحياة الكريمة لدى (عبدالله) نفسه، حيث يملك وظيفة راتبها خمسة عشر ألف ريال.. إذن هو يملك زمام تكوين أسرة سعيدة، هذا فضلاً عن وجود أماكن للترفيه والرياضة، وكلها مقومات لجودة الحياة وسعادة الأسر في الرياض.. ولكن ما الذي يريده المخرج بهذه الرسالة: حل مشكلة العنوسة أم تفاقمها؟!.

‏لماذا لم توضع في شخصية الأب، والذي يبدو أنه أكثر اتزاناً من الأم، أن الحياة الزوجية مودَّة ورحمة، أليس هو مَن صُوِّر في إحدى الحلقات يقطف الملوخية مع زوجته ويساعدها.. إذن الحياة الزوجية تعاون وتكامل، والزوجة سكن واستقرار للزوج كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلك لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

‏إن مشكلة العنوسة موجودة -للأسف- في جميع الأقطار العربية، وتصل إلى نسبة كبيرة، كما هي في سوريا مثلاً بنسبة (50%)، ولكن ذلك لظروف قاهرة مثل: الفقر، والبطالة، واحتياجات الحياة الكبيرة.. وفي المجتمعات الخليجية نجد المغالاة في المهور، وتكاليف حفلات الزواج، وتأمين متطلبات السيارة والخادمة، كلها تحتاج لمبالغ طائلة، لا تتوفر عند الرجل من ذوي الدخل المحدود.. فيا ليت أن المسلسل الدرامي أظهر تلك المشكلات، وعالج كيفية القضاء عليها.. كالتنويه بالحل -مثلاً- للأعراس الجماعية، كالذي أقامه معالي رئيس هيئة الترفيه المستشار تركي آل الشيخ بزفاف 300 عريس في ليلة واحدة لتوفير مصاريف كبيرة.. والإشادة بجهود الدولة في الإسكان، مثل مشروع (جود المناطق) لمساعدة الشباب وتشجيعهم على الزواج.. وكذلك تصوير أهمية العودة للعلاقات الاجتماعية القوية التي كانت في السابق، والرفود التي كانت تُقدَّم في الأعراس من الأهل والأقارب والجيران.. كما أن على الشابات عدم المغالاة في الطلبات، مما يُرهق كاهل الشباب ويُنفِّرهم من الزواج، وبالتالي زيادة العنوسة في المجتمع.

نتمنى أن يتطرق المسلسل في موسمه القادم إلى مثل تلك الأفكار؛ فالزواج فطرة إنسانية خلقها الله للتكاثر والتناسل وعمارة الأرض.. وعدم الزواج هو مسار للفوضى القيمية، وانهيار لاستقرار البشرية.. فهل تصلح الدراما ما أفسده الكثيرون في المجتمع؟.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store