على مدار سنوات، اعتلى مسرح «تيد» الأمريكي - (تيد اختصار لكلمة «تكنولوجيا، وترفيه، وتصميم») - العديد من المتحدثين الذين من المفترض أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، لكنهم في الواقع مجموعة ممَّن يحملون إرادات هائلة في تجاوز إعاقاتهم، والعودة إلى ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، بل تمكنوا من تحقيق إنجازات لا يستطيع الأشخاص الأصحاء من تحقيقها.
من هؤلاء المحاضرة التي ألقتها «سوزان روبنسون»، عام 2016م، وقد وُلِدَت «سوزان» بإعاقة بصرية وراثية لا يمكن علاجها، ومع ذلك تكره كلمة «معاق»، لأنها تراها ظلماً للذين أُصيبوا بمرضٍ مزمن جعلهم لا يؤدون حياتهم كبقية البشر. تقول في محاضرتها: «إن كل ما يتطلبه الأمر هو أن يعمل هؤلاء الأشخاص على أنفسهم أكثر؛ للارتقاء بقدراتهم الذاتية للوصول إلى درجة الناس الأسوياء، إن لم يكن تجاوزوها».
وكذلك المحاضرة التي ألقتها الكوميدية والصحافية الأسترالية «ستيلا يونغ»، وهي من ذوي الإعاقة، في عام 2014م، ركزت فيها على مبدأ أنها تعيش حياة طبيعية، وأن ذوي الاحتياجات الخاصة مثلهم مثل الأسوياء تماماً، وليس معنى أنها تعاني من إعاقة، أن تتحول إلى مصدر إلهام دون أن تنجز، حاولت «ستيلا» أن تكسر عادة بعض المجتمعات في تحويل الأشخاص إلى شخصيات ملهمة لمجرد أنهم معاقون، وأن التعاطف المبالغ فيه معهم، قد يؤدي إلى إثارة الضيق والحصار النفسي لهم، وليس أمراً مشجعاً طوال الوقت.
وكذلك المحاضرة التي ألقتها «جانين شبرد» على مسرح «تيد» عام 2012م، ذكرت «شبرد» أنها كانت شابة حسناء رياضية تمارس رياضة التزحلق على الجليد، بهدف نيل ميدالية أولمبية، قبل أن تجد نفسها في حادث مروع، حيث اصطدمت بها شاحنة ضخمة أدت إلى إصابتها بكسور في كافة أجزاء جسمها، أدى بها إلى شللٍ جزئي، وتحولت حياتها من رياضية طموحة لحصد ميداليات أولمبية، إلى إنسانة أملها أن تقف على قدميها مرة أخرى، لتعيش حياة طبيعية، بعد أن تقلص لديها الأمل في العودة للرياضة مرة أخرى.
إنها ملحمة إنسانية مكتملة بدءاً من إنقاذها طبياً، وصمودها، ثم تقبلها لصدمة أنها أصبحت عاجزة أو شبه مشلولة، ثم ملحمتها العظمى في التدريب والعودة مرة أخرى بأقصى قدراتها، وفي نهاية المحاضرة استعرضت «شبرد» أهم المبادئ والقيم التي دفعتها إلى تحمُّل هذا العذاب الهائل، والعودة مرة أخرى إلى الحياة بأفضل درجاتها.
وأختم بمحاضرة الأمريكية من أصول لبنانية «ميسون زايد» التي ألقتها عام 2013م، حيث أصيبت بشلل دماغي جراء خطأ طبي عند ولادتها، جعلها ترتعش طوال الوقت، وذكرت كيف استطاعت على الرغم من الأحداث المأساوية التي مرت بها أن تتأقلم مع مرضها، لتحقق مسيرة مهنية وعملية ممتازة كممثلة وكوميدية، وكيف حولها مرضها إلى صوت مسموع للدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة.
كل هذه النماذج تثبت شيئاً واحدا شدد عليه المحاضرين، هو أن الإعاقة ليست إعاقة الجسد أو الحواس، وإنما هي إعاقة الروح والإرادة، لأن الإرادة الشيء الوحيد الذي يعوض الشخص ما فقده من أطراف أو حواس.


