Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

حلاوة الإيمان وطعم الاحتساب في رمضان

A A
«التذوُّق» هو الإحساسُ البيولوجيُّ في خلايا مستقبِلات التذوُّق الموجودة على براعم التذوُّق في تجويف الفم، والتي معظمها تكون على اللِّسان، وقد خصَّها الله -سبحانه وتعالى- بهذه الوظيفة الفسيولوجيَّة، فهي التي تمنحُ الدِّماغَ -من خلال رسائلها- التَّفريق بين المالح والحلو، والحامض والمر، يوجد على الجزء الخلفيِّ والأماميِّ من اللِّسان ما بين 2000 و5000 برعم تذوُّق، ويحتوي كلُّ برعم تذوُّق على 50 إلى 100 خليَّةٍ من مستقبِلات التذوُّق، وكما أنَّ هناك خلايا وبراعم ومستقبِلات تذوُّق حسيَّة وماديَّة وبيولوجيَّة، فهناك كذلك في القلب إحساس بالمعنويَّات والتي منها الإيمان.

وفي الحديث، في صحيح مسلم، عن العباس بن عبدالمطلب أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ: «ذَاقَ طَعَمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»، وطعمُ الإيمانِ دائمًا حلوٌ لذلك يقولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِواهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحبُّهُ إلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعدَ إِذْ أَنْقذَهُ اللهُ مِنْهُ؛ كَمَا يَكرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ».

ورمضانُ فيه العديدُ من دلائل الإيمان، والتي من خلالها يتذوَّق الإنسانُ حلاوةَ وطعمَ الإيمانِ، فصومُهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا يَمْحُو وَيُصفِّي القَلبَ مِمَّا عَلِقَ بِهِ مِنْ الشَّوائبِ والذُّنوبِ، ففي الحديث، في صحيح البخاري ومسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، وتتوالى حاسَّة تذوُّق القلبِ بالإيمان في ليالي رمضانَ المباركة، ما بين أداءٍ للزَّكاة، والصَّدقاتِ، وتواصل الأقاربِ والأصدقاءِ والجيرانِ، والقيامِ على أعمالٍ متعدِّدةٍ من البرِّ والإحسانِ التي منها إطعامُ الطَّعامِ، وإفطارُ الصَّائمِ، والضيافةُ الكريمةُ حتَّى إذا بلغ الشَّهرُ عشرة أيامه الأخيرة، وبلغ ليلةَ السَّابع والعشرين، والتي نحنُ نعيشها الآن يكون الإنسانُ قد وصلَ بإيمانِهِ واحتسابِهِ إلى الذروةِ، وصفَّى مع ربِّه -سبحانه وتعالى- غفرانَ ما تقدَّم من ذنبٍ.

إن من كرم الله -سبحانه وتعالى- أن جعل موافقة ليلة القدر فقط غفراناً لما تقدم من ذنب، وليس شرطاً لموافقة ليلة القدر تلك التهيئات النفسية التي يتحدث بها البعض من رؤية منام، أو أشعة شمس، أو بساط أخضر ممتد في السماء، أو غير ذلك، فقد ورد فقط ربط تلك الليلة بتذوق حلاوة الايمان وطعم الاحتساب، فعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عنهُ- عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه البخاري؛ لأنَّ الهدف من ليلة القدر، هُو إظهار قيمتها؛ كونها محلَّ نزولِ القرآنِ الكريمِ، وأنَّها خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، وأنَّ الملائكةَ تتنزَّلُ فِيهَا معَ جبريلَ -عليهِ السَّلامُ- وَأنَّها سلامٌ حتَّى مطلعِ الفَجرِ، فالمطلوبُ الاتِّصالُ باللهِ، ودعاؤه، ومناجاتُه عبرَ تذوُّق حلاوة الإيمان، وطعم الاحتساب.

اللَّهُمَّ اجعلنا ممَّن أدركَ ليلةَ القدر، أو يدركها فيما تبقَّى من رمضانَ، وكلُّ عامٍ وأنتُم بخيرٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store