في إنجازٍ جديد يؤكد جودة مخرجات رؤية 2030، حقّق القطاع السياحي إنجازاً لافتاً بنسبة نمو بلغت 4%، متجاوزاً بذلك توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2024، وذلك وفقاً للتقرير الذي أصدره الصندوق مؤخراً حول آفاق الاقتصاد العالمي، والذي أكد فيه أن السعودية سجّلت أعلى فائض تاريخي لبند السفر في ميزان المدفوعات لعام 2024، بمقدار 50 مليار ريال.
كما كشفت وزارة السياحة أن هذا الفائض يزيد بنسبة 7.8% عن نسبة النمو التي حققها القطاع عام 2023، مشيرةً إلى أن ذلك الإنجاز تحقَّق نتيجة لنمو إنفاق الزوار القادمين إلى المملكة من الخارج، إضافةً إلى جودة الخدمات التي يُقدِّمها القطاع للسياح والزوار. وأضافت الوزارة أن السياح القادمين من الخارج أنفقوا خلال العام الماضي مبلغ 153.6 مليار ريال، مقارنةً بحوالي 135 مليار ريال للعام 2023، وأن هذا الرقم هو أعلى إنفاق سنوي تاريخي من الزوار الدوليين.
هذا الإنجاز اللافت يمثل ثمرة للاهتمام الذي توليه الدولة للقطاع السياحي وتنميته وتطويره؛ وتعظيم نسبة مشاركته في الناتج المحلي الإجمالي، وذلك لما تمتلكه المملكة من قدرات في هذا الجانب يمكن أن تجعله رديفاً لقطاع النفط، بما يُجنّب بلادنا مخاطر الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، ويُوفّر آلاف الفرص الوظيفية المتميزة، ويكون مدخلاً لنهضة اقتصادية شاملة في كل الجوانب.
فالسعودية تضم المناطق الدينية التي تهوي إليها أفئدة المسلمين في كل عام، ويزورونها من مشارق الأرض ومغاربها، إضافةً إلى ما تحظى به من مساحات شاسعة تتنوع بين صحاري ذهبية وغطاء نباتي متفرد، وجبال شاهقة تسحر مُشاهديها، وشواطئ خلابة، واعتدال الأجواء في كثير من مدنها، ووفرة المناطق الأثرية التي لا يوجد لها مثيل، وهو ما يضعها في مقدمة المناطق التي يمكن أن تكون واجهة جذب سياحي متميزة.
ومع أن رؤية 2030 اهتمت بتنمية كافة قطاعات الاقتصاد، إلا أن قطاع السياحة يظل حاضراً بقوة في كل برامجها، لما يمثله من أهمية بالغة تتجاوز مجرد تحقيق العوائد الاقتصادية، وتشمل تطوير العلوم والمعارف، وتعزيز الوحدة الوطنية، والحفاظ على الهوية، عبر تأهيل المواقع الأثرية؛ وتسجيلها على لائحة التراث الإنساني، وفتحها أمام الزوار، وتسهيل وصول الآخرين إليها.
لذلك لم يكن الاهتمام بهذا القطاع من قبيل الصدفة، بل تم اختياره وفق معايير دقيقة راعت أنه أكثر قطاعات الاقتصاد حيوية وتجدداً واستدامة، لأنه يرتبط بكافة القطاعات الاقتصادية الأخرى، حتى مفهوم السياحة لم يعد تقليدياً كما كان في السابق، فالسائح لم يعد يبحث عن الأجواء المعتدلة أو المناظر الطبيعية فقط، بل دخلت في قائمة اهتماماته مغريات جديدة واحتياجات حديثة، في مقدمتها البحث عن الفرص الاستثمارية، والاستمتاع بالآثار الطبيعية والبرامج الترفيهية، والفعاليات الثقافية من مسرحٍ وسينما وغير ذلك.
ولا ننسى أن المكاسب التي يمكن تحقيقها عن طريق السياحة تشمل العاملين في كافة مجالات الاقتصاد، وليست محصورة على قطاع دون غيره، وستشمل مرافق الإيواء، وقطاعات النقل والمطاعم، ومحلات البيع بالتجزئة. لذلك يمكن القول إنها تتيح فرصة حقيقية لإحداث نهضة اقتصادية متكاملة عبر استقطاب المزيد من السياح، لا سيما في ظل أجواء الانفتاح الذي نعيشه، بعد أن أصبح الحصول على تأشيرات سياحية لا يستلزم أكثر من بضع دقائق.
وفي ظل ما تبذله الدولة من جهودٍ متواصلة، وما تتبعه من تخطيط دقيق، فإن هذا القطاع موعود بالمزيد من التقدم والازدهار، وسيكون مدخلاً رئيسياً لتجديد الاقتصاد وتنميته. وفي ظل هذه المعطيات والجهود الصادقة والرؤية الحكيمة؛ فإن أبواب المستقبل ستظل مفتوحة أمام العاملين في مجال السياحة.
وهكذا تثبت رؤية المملكة 2030 في كل يوم أنها مثلما كانت خيالاً رائعاً وأفكاراً طموحة؛ فقد بدأت تتجسَّد على أرض الواقع، وتحوَّلت أفكارها إلى مشاريع فعلية وفق ما هو مُحدّد له من تواريخ زمنية، وهو ما يُعيد التذكير بما قاله ولي العهد، بأن الشعب السعودي قادر على جعل الأحلام حقائق، وأن المملكة تسير على الطريق الصحيح، وتركز على الاستثمار في التنوع الاقتصادي والمكان والإنسان.


