Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
سهيل بن حسن قاضي

الحيلة المبتكرة.. في الفكر السياسي العربي

شذرات

A A
كنتُ إلى وقتٍ قريبٍ، أظنُّ أنَّ كتاب (الأمير) لميكيافيلي هو أفضل الكتب في تعليم فنون الإمارة والحُكم، وأساليب المكر والحيلة المبتكرة، حتَّى اطَّلعت مؤخَّرًا على كتاب: «السياسة والحيلة عند العرب - رقائق الحلل في دقائق الحيل»، فوجدته حافلًا بالقصص والنوادر المليئة بالتَّسلية والإثارة، والتي تكشف عن قدرات عجيبة في المكر، واستخدام الحيل في فنون الحكم والسُّلطة على مدار التاريخ السياسيِّ العربيِّ.

هذا الكتاب الموضوع أصلًا باللُّغة العربيَّة منذ عام 1061هـ/ 1651م، ظل مجهولًا لدى قرَّاء العربيَّة، في مقابل انتشاره بين الأوروبيِّين ممَّن يهتمُّون بالتراث السياسيِّ العربيِّ، بعد أنْ قام الباحث رنيه خوام عام 1976م، بإخراجه من مخطوطة مودعة في مخزونات المكتبة الوطنيَّة في باريس.

الكتاب الذي صدر في طبعته الخامسة، عن (دار الساقي بلبنان) في 232 صفحةً من القطع الكبير، يستعيد التاريخ السياسيَّ العربيَّ، من خلال عدد كبير من الأقاصيص والنوادر والحكايات الشعبيَّة، التي وردت تحت مرادفات المكر، والتي تشير إلى تقدُّم التجربة العربيَّة والإسلاميَّة في فنون الحُكم والسُّلطة، حيث يحفل الكتاب بالكثير من مواقف الدهاء والفطنة لديهم في تعاملاتهم السياسيَّة والحياتيَّة، وقد استحضر مؤلِّفه أساليب الإمتاع والتسلية والتشويق في سرديَّات جاذبة للقارئ، والمستمع.

يقع الكتاب في عشرة أبواب، وبين سطور هذه الأبواب مساحات للتوقُّف والنَّهل من زاده المعرفيِّ، ومنها قوله: «وقِيل من أخلاقِ العاقلِ عشرة: الحلم، والعلم، والعفاف، والصيانة، والحياء، والرزانة، ولزوم الخير، والمداومة عليه، وبُغض الشر وأهله، وطاعة الناصح وقبول قوله».

ومن القصص التي أوردها المؤلِّف حول استخدام الحيلة لدى الأنبياء: قصة موسى مع ملك الموت، «حيث سأله: من أين تقبض رُوحي؟، أجاب: من فمِكَ، قال موسى: فقد خاطبت فيه ربِّي، قال المَلَك: من عينيك، أجاب: نظرتُ بهما نور ربِّي، قال: من أذنيك، أجاب: سمعتُ بهما كلام ربِّي، قال الملَك: من يديك، أجابه: تناولتُ بهما ألواح التوراة، قال من رجليك، أجابه: وقفتُ بهما في مناجاة ربِّي».

ومن حيل القضاة والعدول، التي ساقها مؤلِّف الكتاب: أنَّ رجلين اختصما في شاةٍ، كلٌّ يدَّعي أنَّها له، فجاء رجل، وقالوا: رضينَا بهذا حَكمًا، قال: إنْ رضيتما بحُكمِي فاحلفَا بالطَّلاقِ أنْ لَا تخالفَانِي!!، فحلفَا، قال لهما: خلِّيَا عنها، ففعلَا، فلزم بأذنِهَا وقال: هذِهِ لِي!!.

وأخيرًا نتوقَّف مع حيل العبَّاد والمتزهِّدِين في ما أورده المؤلِّف حول قصة الصحابيِّ الجليلِ عكاشة بن محصن -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، وهو أحد الصَّحابة المبشَّرين بالجنَّة، وقد طلب من النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنْ يقتصَّ منه، حين وقفَ النبيُّ قبلَ وفاتهِ بيوم على المنبر، طالبًا ممَّن يرى أنَّ له عنده مظلمة أنْ ينهض؛ لأنَّ قصاص الدُّنيا أهونُ من قصاصِ الآخرةِ.

قال عكاشة: أنَا يَا رسولَ اللهِ، فقدْ ضربتَنِي بالسُّوطِ، وكنتُ عريانًا، فنَاوَله النَّبيُّ السُّوطَ وكشفَ عن بطنِهِ ليقتصَّ منهُ، فرَمى عكاشةُ السُّوطَ والتصقَ ببطنِ النبيِّ وقال: سمعتُكَ يَا رسولَ اللهِ تقولُ: مَن مسَّ جسدُهَ جسدِي أمنَ مِن النَّارِ، فأحببتُ أنْ يلمسَ جسدِي جسدَكَ وعملتُ هذهِ الحيلة. فقالَ الرسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: مَن أرادَ أنْ ينظرَ إلَى رفيقِي فِي الجنَّةِ فلينظرْ إلَى عكاشة، فنهضَ رجلٌ وقالَ: وأنَا يَا رسولَ اللهِ؟، فقالَ الرسولُ: «سبقكَ إليهَا عكاشة».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store