الحمدُ للهِ على ما منَّ اللهُ به علينا من صيام شهره الكريم وقيامه، والحمدُ للهِ على نعمة الإسلام، الذي منحنا مواسم للطَّاعات، وبعدها أعياد، هي جوائز الخير، والتكافل، والتعاضد. وهكذا يأتي عيد الفطر بعد رمضان، وبعد أنْ تزوَّد المؤمنُ بجرعات إيمانيَّة، ليُعيد حساباته مع نفسه، فتأتي التوبةُ، والاستغفارُ «قوى دافعة» لغسل الذنوب والخطايا. ويأتي العيد فرحةً تملأ النُّفوس، ومظاهر سعادة وسرور.
نعم إنَّه فرحة بثوبٍ جديدٍ، وحلوى، وعيديَّات يتسابق الأطفالُ في أخذها وعَدِّها، وموائد تتحلَّق حولها الأُسَر، فمَن أكرمه الله بالتَّوفيق في إقامة حفلات العيد، وجمع الأهل والأصدقاء والأقارب سنويًّا، فهو من أصحاب القلوب الكبيرة، والنفوس المعطاءة، فهنيئًا له شرف العطاء، ونثر مظاهر البهجة والسعادة.
وبالرغم من الفرحة لنا كمسلمين، إلَّا أنَّ هناك غصَّةً دفينةً وألمًا يُمزِّق شغاف قلوبنا.. فكيف نفرحُ وفلسطين الغالية جريحة.. وسوريا الحبيبة كسيرة؟! كيف نفرح وجزء من جسد الأمة محطَّم ومسروق، ولا يشعر فيه الإنسان بالأمن والأمان؟!.
كيف نفرح ونحن نرى طوابير الفلسطينيِّين يقفُونَ بالسَّاعات للحصول على رغيف خبز؛ لسد جوع بطونٍ خاويةٍ لأيَّام، ويشدُّوا الرِّحال لساعات؛ للوصول إلى جالون ماءٍ؟!.
كيف نفرح ونحن نشاهد أطفالًا يلوح الألم على محيَّاهم من شدَّة الوَهَن والمرض.. ومن مصائب حرب تجعل الوِلدان شيبًا؟!.
كيف نفرح وبطش الدبابات الإسرائيليَّة لا زالت تدك منازلهم، وأحبَّاؤهم تحت الأنقاض استُشهدوا، بجبروت اقتلاع شعب من أرضه، من خلال التجويع، والحصار، والقتل؟!.
كيف نفرح ورائحة الموت في كلِّ مكان في غزَّة، وتزكم أنوف مشاعرنا مياه الصَّرف الصحيِّ المتسلسلة داخل المخيَّمات المهترئة، التي لا تقيهم حرارة الصَّيف، ولا برد الشِّتاء؟!.
كيف نشعر بالفرح، والألمُ يقتلُ المرضى بعمليَّات جراحيَّة تُجرَى بدون مسكِّنات أو تخديرٍ؛ لأنَّ الكيان الإسرائيليَّ يمنع دخول المساعدات لأكثر من شهر، ولا دواء يُعالج المرضى، وهناك رفض 40 طلبًا من بين 49 للأونروا لمنع دخول المساعدات الإنسانيَّة؟!.
كيف نفرح والفِرق الطبيَّة منهكة، ولا حيلة لها لإنقاذ مَن يموتُون أمامهم؟!.
كيف نفرح والأبُ يشعرُ بالعجزِ؛ لعدم قدرته لتوفير أبسط مقوِّمات الحياة لأبنائه من أكلٍ وماءٍ ودواءٍ؟!.
كل ذلك الظلم، والمحكمة الإسرائيليَّة الكُبْرى تقول: «إنَّ إسرائيلَ غير ملزمة بدخول الإمدادات للفلسطينيِّين».
أي ظلم تاريخي هذا الذي يجري في المنطقة؟!، ثلة من اليهود الصهاينة تأتي إلى فلسطين بجوازات سفر، ثم تمنح الأرض الفلسطينية لهم بوعد «بلفور» المشؤوم، بإقامة دولة يهودية، ثم تستقوي وتتغول في المنطقة، بدعم من الولايات المتحدة، والغرب، وتستولي على الأرض، بل تتبع أساليب التجويع، والإبادة الجماعية؛ لإجبار السكان على الرحيل من أرضهم.
وتتمادى إسرائيلُ في غطرستها، ولم تلتزم بالاتفاقيَّات التي عُقِدَت في مصر، وقطر، بتسليم الأسرى مقابل وقف الحرب، بل تستمر في عدوانها، وتطالب بتسليم الأسرى!.
وبالرغم من تنديد كافَّة الدول العربيَّة، وإدانتها للانتهاكات الإسرائيليَّة، والحرب الغاشمة على قطاع غزَّة، منذ أكثر من عام، وخاصَّة «المملكة العربيَّة السعوديَّة» التي أدانت التَّصعيد الإسرائيليَّ، وتدميرها لمستودع تابع للمركز السعوديِّ للثقافة والتراث في منطقة موارغ شرق رفح، وبما يحتوي من مستلزمات طبيَّة مخصَّصة لتلبية احتياجات المرضى المصابين.
ومع كل ذلك، تستمر إسرائيل في مخططها الغاشم، الذي بات مكشوفًا، وهو تغيير ملامح الشرق الأوسط؛ لتكوين (دولة إسرائيل الكبرى)، وما استهداف وزارة الدفاع السورية، وتدمير كل القوى العسكرية فيها، وقتل مئات من الأبرياء، إلَّا لمتابعة المشروع الكبير. وها هي تتحدَّى المجتمع الدولي، وبضوء أخضر أمريكي، وتآمر غربي.. ففلسطين، والمسجد الأقصى حق المليار مسلم، والدفاع عنها واجب، ولكن لن يتغيَّر الحال إلَّا بموقف عربي إسلامي قوي، كما قالَ النبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائرُ الجَسَدِ بِالسَّهِرِ وَالحُمَّى). وهذا الواجبُ الشرعيُّ يُحتِّمُ على كلِّ مسلم، القيام بنصرةِ أهلنا في غزَّة، كلٌّ بحسبِ موقعهِ، وبقدر استطاعتهِ، وإمكانياتِهِ، ومكانتِهِ، ومستوى تأثيرِهِ.. فأعيادُ المسلمِينَ لن تكون سعيدةً، إلَّا بعودةِ الجَسدِ الواحدِ سليمًا مُعافًى.. والواجبُ يُحتِّم قطعَ جميع العلاقات السياسيَّة والاقتصاديَّة والتجاريَّة مع إسرائيلَ، فهي نقطةُ التحوُّل.. ولن نكونَ زبدَ البحرِ وغثاءَ السَّيلِ، فالمقدَّراتُ العربيَّةُ والإسلاميَّةُ كبيرةٌ، والتَّحالف على كافَّة المستوياتِ ضرورةٌ، ولن تكون أعيادُنا مكتملةً إلَّا بنصرٍ مِن اللهِ وفتحٍ قريبٍ..
وكلُّ عامٍ والأُمَّةُ الإسلاميَّةُ بخيرٍ.


