Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

أسرار الحجارة الصامتة

A A
عبر مساحاتٍ شاسعةٍ من الحرَّات البركانيَّة الممتدَّة من شمال المملكة إلى جنوبها، تقفُ تشكيلات حجريَّة غامضة، تتَّخذ أشكال دوائر كاملة، مستطيلات دقيقة، وسلاسل ممتدَّة. هذه الآثار الصخريَّة التي حيَّرت الباحثِينَ لعقود، تظهر براعةً هندسيَّةً تتناقضُ مع ندرة البقايا البشريَّة في محيطها، وكأنَّ البناةَ اختفوا فجأةً، تاركين وراءهم هذه الرسائل الحجريَّة الغامضة.

في مشهدٍ يتكرَّر عبر آلافِ الكيلومترات، نجدُ هذه المنشآت الحجريَّة متشابهةً إلى حدٍّ مدهشٍ، رغم تباعد مواقعها. ففي حرَّة خيبر شمالًا وحتَّى حرَّة كشب جنوبًا، تظهر نفسُ الأنماطِ المعماريَّة البدائيَّة. الصخور البازلتيَّة السوداء المكدَّسة بعناية دون ملاط تشكِّل دوائرَ كاملةً تتراوح بين 3 إلى 30 مترًا، ومستطيلات منظَّمة تحوي أقسامًا داخليَّة، إضافة إلى سلاسل صخريَّة تمتد لمسافات طويلة.

المفارقة الكُبْرى تكمنُ في غياب أيِّ دليل واضح على حياة بشريَّة مُستدامة حول هذه المواقع. فبينما نجدُ بقايَا عظام حيوانات بريَّة، نادرًا ما نعثرُ على بقايا بشريَّة، أو أدوات شخصيَّة. هذا الغياب المحيِّر يطرحُ أسئلة مهمَّة: مَن بَنَى هذه المنشآت الدقيقة؟ وأينَ عاشُوا؟ ولماذا اختارُوا هذه المواقع البركانيَّة القاسية تحديدًا؟

بعضُ النظريات ترجِّح أنْ تكون هذه المواقع عبارةً عن مصائد حيوانيَّة جماعيَّة، حيث تشبه بعضُ التصاميم، أنماطَ الصيد القديمة المعروفة في المنطقة. لكنَّ هذا لا يفسِّر وجود الدَّوائر الكاملة، أو السلاسل الطويلة. نظريات أُخْرى تقترح استخدامات فلكيَّة، أو طقسيَّة، خاصَّة مع وجود محاذاة دقيقة لبعضها، مع نقاط الاعتدال الشمسيِّ. الاكتشافات الحديثة في واحة خيبر المسورة أضافت بُعدًا جديدًا للنقاش، حيث كشفت عن مستوطنةٍ من العصر البرونزيِّ، قد تكون مرتبطةً بهذه المنشآت الحجريَّة.

لكن الألغاز تتعمق عندما ننظر إلى الانتشار الجغرافي الواسع لهذه الآثار. كيف تمكن مجتمع قديم من إنشاء منشآت متشابهة عبر مساحات شاسعة من الحرات المتباعدة؟ هل كانوا مجموعة بشرية واحدة انتشرت من الشمال إلى الجنوب؟ أم أن هناك اتصالاً ثقافياً بين مجتمعات متفرقة نقلت هذه التقنيات المعمارية؟ ولماذا اختاروا الحرات بالذات، تلك المناطق البركانية القاحلة، لإنشاء هذه المنشآت؟

التحدِّي الأكبر يكمنُ في ندرة المواد العضويَّة التي يمكن تأريخها؛ ممَّا يجعل تحديد الفترة الزمنيَّة الدقيقة لبناء هذه الآثار أمرًا معقَّدًا. بعضُ الدلائل تشير إلى العصر الحجريِّ الحديث، أو العصر البرونزيِّ، حيث تشير أحدث الدِّراسات الأثريَّة إلى أنَّ هذه الآثار تعود للفترة بين 3000 - 5000 قبل الميلاد، استنادًا إلى تحليلات الكربون المُشع لبقايا عضويَّة قليلة عُثر عليها قرب بعض المواقع، لكنَّنا بحاجةٍ إلى مزيد من الأدلة القاطعة. كما أنَّ العوامل الجويَّة في المناطق البركانيَّة قد تكون قد محت آثار الاستقرار البشريِّ، تاركةً فقط هذه المنشآت الحجريَّة المقاومة لعوامل التَّعرية.

بينما تتقدَّم التقنيات الأثريَّة، تبقى هذه الأسئلة معلَّقة بانتظار إجابات: كيف تمَّ التنسيق بين مواقع متباعدة لإنشاء منشآت متشابهة؟ هل كانت الحرَّات البركانية ذات أهميَّة ثقافيَّة، أو دينيَّة خاصَّة لهؤلاء البناة؟ أين اختفت كلُّ البقايا البشريَّة التي كانت ستكشف لنا هويَّة هؤلاء الناس؟ وهل يمكن أنْ تكون هذه الآثار دليلًا على شبكة اتِّصال قديمة امتدَّت عبر شبه الجزيرة العربيَّة؟ كلُّ حجرٍ في هذه المنشآت الغامضة، يبدو وكأنَّه يحملُ سؤالًا ينتظرُ إجابتَهُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store