كيف تشيعُ «الأخلاق المدنيَّة» بين غالبيَّة النَّاس في أمريكا؟ وكيف نستفيد من ذلك في سوريا الجديدة؟.
هذا ما تعلَّمتهُ من عملي كسائق باص مدرسة في أمريكا، أكثر من أيِّ تجربةٍ أُخْرى!.
قد لا يكون مألوفًا حديثُ الكُتَّاب عن تجارب شخصيَّة، لكنَّ أُفق «المدينة» الغرَّاء عوَّدَنا، والقرَّاء، على أنْ يكون مفتوحًا -دومًا- لكتابة شيءٍ ذي معنى. شيءٍ يفتحُ -بدورهِ- أُفقًا، ولو صغيرًا ينفعُ النَّاس، فيستحقُّ أنْ يَمْكُثَ فِي الأَرْضِ.
سأشرحُ بعض التفاصيل أدناه، لكنَّ الحديث عن «الأخلاق المدنيَّة الاجتماعيَّة» ضروريٌّ، لأنَّ النَّاس تعتقدُ أنَّ وجود الأخلاق في الأديان يكفي وحده للمجتمع. في حين أنَّ كلَّ تجارب العالم، ومنها تجارب العرب والمسلمِينَ، تؤكِّد أنَّ هذا لا يكفي.. وأنَّ أيَّ دولةٍ، قيد البناء، مثل سوريا المعاصرة، تحتاج إلى منظومةِ قوانين وتنظيمات، في مختلف المجالات؛ لخدمة هذا الموضوع بشكلٍ حقيقيٍّ وفعَّالٍ. وهذا ما فعلته ماليزيا، مثلًا، في مطلع نهضتها، عندما قَنَّنت كثيرًا من المسائل الاجتماعيَّة، مثل تمكين المرأة، بغضِّ النَّظر عن المقولة، الصَّحيحة نظريًّا، بأنَّ الإسلام كرَّمَها. ذلك أنَّ التزام النَّاس بتلك المقولة حين يتعلَّق الأمر بالدُّنيا، غير مضمونةٍ، أمَّا في الآخرة، فإنَّ أمرهُنَّ فيهَا موكولٌ إلى اللهِ.
بالعودة لقصَّتنا. عملتُ فيما عملتُ، في أمريكا، سائق باص مدارس. بدأتُ وقتهَا كتابة كتاب بعنوان: «أمريكا من تحت: عملي كسائق باص مدارس في أمريكا»؛ من 10 فصول، تتضمَّن تعريفًا لقرَّاء العربيَّة بنظام أمريكا الاقتصاديِّ، والاجتماعيِّ، والإداريِّ، والتكنولوجيِّ، والثقافيِّ، بشكلٍ مُبسَّط، من واقع هذه المهنة. لم أتخيَّل في حياتي أنَّني أدخل عالمًا جديدًا كبيرًا وغريبًا، يتجاوز بكثير فكرة أنْ تعمل دورة قيادة، وتُصبح سائق باص مدرسة. استغرق الأمرُ أكثر من شهرين من التَّدريب، مررتُ خلالها بسبع دورات، ومعها سبعة اختبارات؛ حتَّى أحصلَ على رخصة القيادة الخاصَّة.
يحكي كلُّ فصلٍ في الكتاب (الذي لم يُطبع..) قصَّةً عن جانبٍ من جوانب الحياة في أمريكا، وسأتحدَّث عنها لاحقًا، ربَّما في حلقات. لكنْ ما يهمُّنِي هو توضيح الإجابة عن السُّؤال في بداية الموضوع.
وأوَّل ما يجبُ توضيحه، أنَّ كلَّ العاملِينَ والمراقبِينَ (مساعد السَّائق لخدمة الطُّلاب في الباص)، هم إمَّا في بداية حياتهم المهنيَّة، أو متقاعدُونَ. وهُم -في الأغلب- ناسٌ بُسطاءُ لناحية التعليم والمستوى الاقتصاديِّ، وهم ينتمُون لكلِّ المجتمعات والأقليَّات المختلفة في البلاد (السود، والآسيويون، وذوو الأصول الهنديَّة، والبيض، والمكسيكيُّون، والعرب، وغيرهم.. ومن كلِّ الأديانِ والخلفيَّات العرقيَّة والمناطقيَّة).
يجتمع أفرادٌ من كلِّ هذه المجتمعات في الدَّورات السبع، ويتعلَّمُون القوانين الكثيرة والمعقّدة -أحيانًا- لهذا المجال، ويتعلَّمُون قيادة الباصات الكبيرة طبعًا، لكنَّ أهمَّ ما يتعلَّمُونَه؛ هو كيفيَّة التَّعامل مع الزملاء في العمل، والطَّلبة من كلِّ الأعمار، (كانت شركتنا تنقل أكثرَ من 25 مليونَ طالبٍ كلَّ يومٍ في أكثر من 30 ولايةٍ أمريكيَّةٍ، وفي كندَا)، وكلُّ عمرٍ له قوانين و(أخلاقيَّات) معيَّنة للتَّعامل معه. ثمَّ هناك قوانين و(أخلاقيَّات) التَّعامل مع أهالي الطَّلبة، ومع المعلِّمِينَ ومسؤوليهِم المديرِينَ، ومع السَّائقِينَ الآخرِينَ الذين يقودُونَ السيَّارات العاديَّة، أو الشاحنات الكبيرة وغيرها، ومع الشُّرطة، والإطفائيِّينَ، وفرق الإسعاف وغيرهم.. وهناك أيَّام يقضيها المتدرِّب وهو يتعلَّم التَّعامل مع محاولات احتجاز و/أو اختطاف الطَّلبة، وأيِّ أعمالٍ إرهابيَّةٍ محتملةٍ.. وكيفيَّة القيام بعمليَّات الإنقاذ في حالات الطوارئ.. كلُّ هذه الفئات تُوجد قوانين وأُطر نظريَّة معيَّنة ومختلفة للتَّعامل معها. ولكنْ فوقها، هناك (الأخلاقيَّات) الاجتماعيَّة العامَّة التي يجري تَعلُّمها (ولا يسألُونَك إنْ كنتَ تعرفهَا وتمارسُهَا أمْ لَا؟) مثل احترام خصوصيَّة الآخرِينَ، وإشاعة الرُّوح الإيجابيَّةِ بين الطلبةِ وزملاءِ العملِ، وتجنُّب أشكال التحرُّش الجنسيِّ، وحل مشكلاتِ غضب الطَّريق، وطريقة التَّرحيب، والوداع، والاعتذار، والتَّشجيع، ومساعدة الآخرِينَ الذين يحتاجُون للمساعدة.. وحتَّى احترام الطَّريق والطَّبيعة من حوله.. والحرص على البيئة.. (كان ممنوعًا -مثلًا- من تلك الأيَّام، إبقاء الباص شغَّالًا أكثر من 3 دقائق في حال عدم القيادة)، وغيرها من المسائل!.
وهكذَا، ترى كإنسانٍ، العشرات من البيض، والسود، وغيرهم من كلِّ الأشكال والأنواع، ومختلف الأعمار، وكلهم -تقريبًا- من البُسطاء -اقتصاديًّا، وتعليميًّا- يدخلُون في هذه الدَّورات، ويتخرَّجُون فيها، وكلُّ واحدٍ منهم كأنَّه إنسانٌ آخرُ.
كانت الفئة الأكبر الأُولَى هي الشَّباب اليافعُونَ؛ الذين كانُوا يدخلُون بهذا التَّدريب في حياتهم العمليَّة، وفي أوساط المجتمع الأمريكيِّ. أمَّا الفئة الأكبر الثَّانية فكانت فئة المتقاعدِينَ، الذين كانت هذه الدَّورات لهم بمثابة دورات (إعادة تأهيل) اجتماعيٍّ وثقافيٍّ؛ لإعادة ضبط نظرتهم للآخرِينَ، وطريقة التَّعامل معهم.
ليس المقصود أبداً الإيحاء بأن المجتمع الأمريكي مجتمع ملائكة.. لكن الغالبية العظمى منه لا تدخل أبداً في إطار التصنيفات النمطية له في ثقافتنا العربية السائدة. بمعنى أن قوة التأثير الجمعي لهذه الأخلاقيات في تماسك المجتمع الأمريكي هي أكبر -حتى الآن- من القوى التي تعمل على تفكيكه. وإلا لما رأينا أمريكا بهذا الموقع في العالم.
المقصود هنا أنَّه، بهذه الطريقة، تحاول المنظومة الأمريكيَّة ضمان حدٍّ أدنَى من (الأخلاقيَّات) الاجتماعيَّة في كلِّ مهنة، بغضِّ النَّظر عن كون مَن يدخل في المجال ملتزمًا أخلاقيًّا، أو فاسدًا، أو ملحدًا، أو ينتمي لأيِّ طائفةٍ من مئات الطَّوائف الدِّينيَّة والمذهبيَّة التي توجد في أمريكا، وينتمي إليها الأمريكان. وهناك -طبعًا- نظام متابعة إلكتروني، ونظام معقَّد للحوافز والعقوبات، تضمن تطبيق القوانين والأخلاقيَّات!، والمفيد في الموضوع أنَّ هذا يجري خلال محاولتك لبدء مهنة مؤقَّتة أو دائمة، وأنت تتعلَّم فيها كلَّ فنونها. يعني -كما يقولون- win win situation.
هل تستفيد الوزارات ذات العلاقة في الحكومة السوريَّة الجديدة من مثل هذه التَّجارب؟، هذا ما يجب أنْ يعمل السوريُّونَ -جميعًا- على ضمان حصوله، ولو بتدرُّجٍ ومرحليَّة.


