حتَّى يستوعبَ الشارعُ -أي شارع- تزايد الحركة المروريَّة، فإنَّ من أهم أُسس ذلك، أنْ يكونَ الشارعُ قابلًا للتوسعةِ المرحليَّة، والحلول المروريَّة العلاجيَّة عند نشوء أيِّ اختناقاتٍ مروريَّة.
وهنا تبرز ملحوظة يُستغربُ عدم أخذها في الحسبان، عند إنشاء شارع يُفترض أنَّه رئيسٌ، ويأتي تنفيذه بصورةٍ لا تتناسب وأهميَّته، ولا يُرَاعَى في ذلك مقدرته على استيعاب تزايد أعداد مرتاديه، وما تفرضه الضَّرورة من وجوبِ أنْ تتناسب شوارع كل مدينة مع أهميَّتها، والتَّنامي المُتسارع في عدد سكَّانها، والقادمِينَ إليها.
فضلًا عمَّا يفرضه تنفيذُ بعض الشَّوارع من تساؤلٍ كبيرٍ: كيفَ حدثَ ذلكَ؟ وفي العُرف أنَّ إقرارَه يمرُّ بمراحلَ نحو الاعتمادِ النهائيِّ، الذي ربما هو ناتج عن نظرةٍ مرحليَّةٍ قصيرةِ المدَى، لا تأخذ في حسبانها كيفَ هُو الحال بعد سنواتٍ، وذات الشَّارع اليوم يغصُّ بما لا يمكنُ معه عمل أيِّ تدخُّلٍ (جراحيٍّ) لتوسعة شريانِهِ.
في وقتٍ من المهمِّ جدًّا عدم الاستسلام لذلك الواقع، الذي أوصل الحال إلى ما هو عليه اليوم، من (زَحمَة يا دُنيَا زَحمَة)، وهِي زحمةٌ تمثِّل عائقًا أمام جودة الحياة، فكلُّ ما ينتج من تلك الزَّحمة المروريَّة يمثِّل مأخذًا سلبيًّا له ما بعده من تبعات التَّأخير، وإعاقة التدخُّل السَّريع في حالة الطوارئ، فضلًا عمَّا ينتج من تلك الزَّحمة من آثارٍ نفسيَّةٍ، وبدنيَّةٍ، لا شكَّ في أثرها السلبيِّ على صحَّة الإنسانِ على المدى القريب، والبعيد.
فمحدوديَّة، وضيق مداخل الأحياء، واتِّساع الأرصفة، والجزيرة الوسطَى على حساب ضيقِ الشَّارع، والأخطاء التنفيذيَّة في فرضِ دوَّارٍ أو (يوتيرن)، أو حتَّى إشارة مروريَّة أمام انسيابيَّة الحركة، وغول الشَّاحنات... إلخ، كل ذلك ممَّا أسهمَ في تفاقم أزمة الاختناقاتِ المروريَّة، رغم كلِّ الجهود الرَّامية إلى علاجها، أو الحدِّ منها.
وممَّا يزيد سوءَ حالِ الزَّحمة المروريَّة سوءًا، بل أراه أساسًا في حدوثِهَا، ومع ذلك مسكوت عنه، ربَّما لقوَّته في فرض نفسه على شوارعنا كواقعٍ، وأقصدُ بذلك (قوقل، وخرائطه)، التي يُعتمدُ فيها على مسارات محدَّدة، تمثِّل خيارًا وحيدًا لمَن لا يعرف في تحرُّكاته إلَّا هُو، وهو ما يعني ضرورةَ ابتكار آليَّة تحوِّل (قوقل) من صانع زحمةٍ، إلى متنفسِ فرجٍ، وملجأ حلٍّ، وهي آليَّة ليست ببعيدةِ المنالِ، في ظلِّ ما وصلت إليه الفتوحاتُ المذهلةُ في عالم البرمجة، وهو ما يمهِّد -من خلال قوقل- أو من خلال استحداث خرائط مروريَّة خاصَّة بكلِّ مدينةٍ إلى توجيه الحركة المروريَّة، وتشتيت تلك الزَّحمة عبر مخارج فرعيَّة تمثِّل خيارًا فاعلًا -ولو بنسبة- في معالجة ما تعيشه شوارعنا من اختناقاتٍ مروريَّة.
لنصل إلى أنَّ الاختناقات المروريَّة عائقٌ، وأنَّ الاستسلام لذلك عائقٌ أشدُّ، وأنَّ الحلَّ قد يأتي من خلال مشروعٍ كبيرٍ، أو فكرةٍ، أو حتَّى إجراء بسيط تتجاوز به شوارعنا (عثرة) مهندس فكَّر -لحظتهَا- في كلِّ شيءٍ إلَّا في أنَّ ذلك الفسيحَ يومًا مَا سوف (يضيقُ)، وعِلمِي سلامتكُم.


