Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

بين المثقف والوطن: مأزق (النُّخبوية)

A A
كثيرًا ما يغرقُ (المثقَّف) في مُقتضيات (نُخبويَّته)؛ لدرجة أنْ يُصبح (غريبًا) عن أهله وناسه.

يحصلُ هذا في العديد من الدول. لكنَّه باتَ ظاهرةً تستحقُّ الاهتمام في سوريا كثيرًا بعد التحرير.

لا يمكن لعاقلٍ، يبحث عن مصلحة وطنه، أنْ يقف ضد (النَّقد) لناحية المبدأ. فتلك ممارسةٌ تساهمُ، إيجابيًّا، في عمليَّات بناء الأوطان وتنميتها، حين تُؤدَّى بموضوعيَّةٍ وإنصاف. وهما عاملان يقتضيان النَّظر إلى شؤون أوطاننا، في عالمنا العربيِّ بشكلٍ عامٍّ، بنظرةٍ تأخذُ بعين الاعتبار كلَّ التحدِّيات التي تواجهها.

وفي هذا الإطار يأتي تقديرُ النقلات التي تحصلُ فيها، خلال سنوات، كما هو الحال في المملكة. أو خلال شهور، كما حصل في سوريا.

وإذ يطول الحديث عن طبيعة النقلة التي حصلت في سوريا، فقد يبدُو مُعبِّرًا أنْ ننقل، في هذه المساحة، رسالة مواطنٍ سوريٍّ إلى بلده، يمكن لها أنْ تحكي كلَّ الحكاية.

سامحينا يا سوريا.. سامحينا يا بلدنا. نحنُ بشرٌ، ونحبُّ الحريَّة، وخلال أقل من خمسة شهور، اعتدنا عليها. وعلى النَّقد، بل و(التَّنكيت) و(المسخرة)، على كلِّ شيءٍ في بلدنا.

نسينا، يا سوريا، أين كُنَّا في مثل هذا الوقت من العام الماضي. نسينا أنَّ بشار الأسد كانَ قاب قوسين أو أدنى من العودة للنظام الدوليِّ. حتى أنَّه دعا الجميع في سوريا والعالم للاستثمار، مؤكِّدًا على قرب «انتهاء الأزمة».

نسينا أنَّه كان لدينا آلافٌ مؤلَّفةٌ في صيدنايا، وغيرها من السجون.. نسينا أنَّ ملايين في المخيمات، وملايين أُخْرى في المهاجر والمُغتربات، كانت كلها تُوطِّنُ نفسها على حياةٍ مؤبَّدةٍ في الغربة.

نسينا الطائرات التي كانت تقصف أهلنا، وبراميل مروحيات النظام، والميليشيات التي كانت تستبيح أرضنا، والدول التي كانت تتحكم ببلدنا وقراره.

نسينا الحزن في مآقي المدن السوريَّة، وهي ترى مسيرات اللَّطم في شوارعها. وسيطرة الغرباء على أحيائها. وإهانة أهلها في عقر دارهم؛ دون أنْ يجرؤوا على قول كلمة شكوى، أو اعتراض. نتحدَّث هنا، يا بلدنا الحزين، عن كلمة (آه)، التي كان يصعبُ أنْ تصدر عنهم، وليس عن النقد.

نسينا يا سوريا الحبيبة، الفساد، والرشوة، وإهانة الكبير والصغير، وهما يبحثان، فقط، عن لُقمةِ عيشٍ. لم يكن ثمَّة مجالٌ، يا سوريتنا، لحديثٍ، ولو في قرارة أنفسنا في السرِّ، ووراء الأبواب المغلقة، عن (الكرامة)، التي صرنا نتغنَّى بها ليل نهار. نسينا، يا حبيبتي، أنَّ مجرد امتلاك علمك الأخضر الجميل كان جُرمًا يودي للقتل. أمَّا رفعُه في كلِّ مكان، بيد الأطفال والنِّساء والرِّجال. والتَّغني به ومعه. فلم يكن حتى حلمًا يمكن التفكير به.

نسينا حالَ ما كان يُسمَّى (المعارضة السوريَّة)، ومَن كان يُفترض أنَّه بديل النظام أمام العالم بأسره، وأنَّ غالبيتهم كانُوا يقاتلُون للحصول على شريحةٍ صغيرةٍ في كعكته.. في أحسن الأحوال.

نسينا فروعَ الأمن المرعبة، وثكنات الفرقة الرابعة القذرة، وحواجزها المنهكة، وممارساتها الحقيرة. نسينا معامل المخدرات، وشبكات الدعارة والتهريب. نسينا المعابر الحدودية المغلقة. ومطاراتنا وموانئنا المهجورة، ومساجدنا، وكنائسنا الحزينة، ومصانعنا المهدومة، ومراكزنا الثقافية، ومسارحنا الخاوية على عروشها.

نسينا المسجد الأموي، الذي كان مأسورًا. ومعه قلعةُ حلب، ومسارح بُصرى، وأوابدُ تدمر، ونواعير حماة، وساحة العاصي، وسهول حوران والجزيرة، وجبال سوريا وسواحلها كلها. نسينا الأراضي والممتلكات المسروقة. ورسوم الطرق الإجبارية. والجمارك العالية. والسيارات الأثرية التي كانت تملأ شوارع المدن السورية. نسينا نظرة العالم إلى السوريين، المُشفقة حينًا، والشامتة أحيانًا، بأنَّهم مساكين.. لاجئون.. جائعون.. مُشرَّدُون في الأرض، يعيشون عالةً على اللئام قبل الكرام.

نقول نسينا، ونعرف أنَّك يا بلدنا، بملايينك الطَّيبةِ النَّبيلة، لم تنسَ، ولم تنسُوا، شيئًا من ذلك.

وإنَّما ثمَّة شيءٌ ما، مخلوقٌ ما، تَحارُ به البشريَّة في هذه الدنيا، هو الأسرعُ للنِّسيان. مرَّةً يُسمَّى (مثقفُونَ)، ومرَّةً (خبراءُ)، ومرَّةً (نُشطاءُ).. وهكذا.. تتعدَّدُ الأسماءُ وهو واحدٌ في جوهرِهِ. وفي حين يقولُ المنطقُ والتجربةُ البشريَّة إنَّ هؤلاء يُفترض أنْ يكونُوا أشبه النَّاس بأهلهم، ينظر إليهم هؤلاء الأهل، فلا يرونَ إلَّا (غُرباء) في معظم الأحوال.

اصبري علينا وعليهم يا سوريا الحبيبة. يا أُمُّنا الحنون، فمن يصبر على أبنائه سوى، وأكثر من، الأُمَّهات.

اصبري عليهم، فربما يقرؤون ما كتبه Michael Arizanti، المثقف الهولنديُّ الأصل، الذي تربَّى في النرويج، ويعيش الآن في السِّويد. والمتابع لشؤون سوريا والشرق الأوسط، يقرؤون ما كتبه في نهاية مقالٍ مطوَّلٍ عن التطوُّرات في سوريا، حيث قال:

«أعلمُ أنَّ البعضَ قد يكونُ متشكِّكًا، وهذا عادلٌ، لقد ترك تاريخ سوريا الحديث ندوبًا عميقةً، والثقة لا تُبنى بين عشيةٍ وضحاها، لكن الحقائق مهمَّة، النتائج مهمَّة، والنتائج تتحدَّث عن نفسها. هذه ليست حالة ولاء أعمى، أو تفاؤل ساذج. إنَّه اعترافٌ بشيءٍ نادرٍ في عصرنا: أُمَّة ذات سيادةٍ ترفضُ أنْ تكون بيدقًا لأحد، وتعيد البناء من تحت الأنقاض بعزيمةٍ وذكاءٍ وتصميمٍ. أنا معجبٌ بذلك. أنا أحترمُ ذلك. وأعتقدُ أنَّه يستحقُّ الاعتراف به. في عالم من التدخلات التي لا نهاية لها، والوعود الكاذبة، فإنَّ تحوُّل سوريا -الذي تقوده قيادتها وشعبها- ليس أقلَّ من رائع».

سامحينا يا سوريا. فأنتِ أُمُّنا الحنونة القويَّة. وكما قال المهاتما غاندي: «الضَّعيفُ لا يستطيعُ أنْ يسامحَ أبدًا. فالتَّسامحُ صفةُ الأقوياءِ».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store