Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

«الأربعيني».. همة وقمة!!

A A
إنَّ قمَّة العطاء المتميِّز، والقيام بالدَّور الحقيقيِّ والكبير في الحياة، إنَّما يكون عندما يبلغ الإنسانُ الأربعِينَ من عمره، فالوحيُ نزلَ على الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في الأربعِينَ من عُمره، فبادر، وانطلق -بكلِّ قواه وإمكانيَّاته- يدعُو إلى الله، ويتواصل مع مجتمعه في مكَّة المكرَّمة؛ لتبليغ الرسالة، وهداية النَّاس على بيِّنةٍ من الوحي.

مرحلةُ الأربعين من العُمر مرحلةٌ يبلغ فيها العطاءُ مدَاه (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)، فكلمةُ «أشُدّه» تعبيرٌ عن قمَّة العطاء البيولوجيِّ والنَّفسيِّ التي يصل إليها الإنسانُ في أدائِهِ، حيث يكون في أعلى مستوى له، لذلك ربط سبحانَهُ وتعَالَى بينَ عبارة «أَعْمَل صَالِحًا» وبينَ كلمةِ «تَرْضَاهُ» بأنَّه يلزم العمل الصالح، أنْ يكون وافيًا كافيًا مستوفيًا في العطاء، دون تقصير حتَّى يحقِّق رضَا الله.

إذن المطلوب إحسان الأداء في هذه المرحلة؛ كون جميع الأجهزة البيولوجية، والنواحي النفسية في قمة عطائها، وهمة من أدائها، إحسان الأداء في العمل، والعلاقات الأسرية والاجتماعية، والأعمال الخيرية، في كل شيء يكون الأحسن أداءً؛ لأن جميع الأعضاء في «الأربعيني» تكون في قمة وهمة، وبعد الأربعين تبدأ تدريجياً الهمة والقمة بالتناقص في أدائها ووظيفتها البيولوجية والنفسية، ومن ذلك، ما كنتُ أنصحُ به -ولازلتُ- أنصحُ أنَّ مَن أرادَ أنْ يقومَ بالتعدُّد في زَوَاجه له ذلك، لكنْ يجبُ أنْ يكون حول هذا العُمر ما بين «الأربعِينَ والخمسِينَ»؛ لأنَّ بعد الخمسِين سلبيَّاتُ التعدُّد أكثر من إيجابيَّاته، حيث قد تشكَّلت الأُسرة، وكَبُرَ أفرادُهَا من أولادٍ وبناتٍ، مضافًا إلى ذلك، تناقص القُدرة في الهمَّة الحميميَّة في الأداء عند بلوغِ الستِّين، فإنَّ ذلك كلَّه قد يُحيل الكثيرُ -ممَّن يُقْدِم على التعدُّد- حياتَهم إلى عدم الاستقرار، وتشتيت الأُسرة، وعدم إعطاء الزَّوجات حقَّهنَّ من الوقت، أو المصروف الماليِّ، أو اللقاءات الحميميَّة، وكذا الأبناء والبنات يلحقهم الإهمالُ التربويُّ والدِّراسيُّ، ولا يُقاس في ذلك تعدُّد الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-؛ لأنَّ ذلكَ حالةٌ خاصَّةٌ بهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- حيثُ عدد الزَّوجات أكثرُ من أربعٍ، وزواجُه منهنَّ جاءَ بعدَ موتِ أُمِّ المؤمنِينَ خديجة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حيثُ عاشت معه معظم عمره -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- (٢٥ سنةً)، وما تزوَّج إلَّا بعد وفاتِهَا، وهي أُم الأولادِ والبناتِ -رَضِيَ اللهُ عنهَا-، بينمَا بقيَّة زوجاتِهِ: أُم المؤمنين سودة -رَضِيَ اللهُ عنهَا- عاشت معه ١٤ عامًا، وأُم المؤمنِينَ عائشة -رَضِيَ اللهُ عنهَا- ٩ سنوات، وبقيَّة أُمَّهات المؤمنِينَ: زينب، وحفصة ٨ سنوات، وأُم سلمة ٧ سنوات، وزينب بنت جحش وجويرية ٦ سنوات، وصفيَّة، وأُم حبيبة، وميمونة ٤ سنوات، فتعدُّد رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- «عددًا»، و»أهدافًا» من خصوصيَّاتِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وأظنُّ الأمرَ المسلَّم بهِ في التعدُّد أنَّه كالحجِّ لِمَنْ اسْتَطَاعَ إِليهِ سَبِيلًا، واستطاعتُه مشروطةٌ شرطًا ربَّانيَّا بالعدلِ فَمَنْ خَافَ ألَّا يَعْدِلَ فَوَاحِدَةٌ تَكْفِي وَتُوفِّي.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store