هناك الكثيرُ من الشُّعراء الذين غلبت عليهم ألقابُهم واشتُهروا بها، ونُسيت أسماؤهُم الحقيقيَّة، وأسماء أبائِهم وقبائلِهم وأنسابِهم، وغالبًا مَا يطغَى اللَّقبُ على الاسم، فلا يُعرف الشَّاعرُ إلَّا بلقبِهِ.
فلو سألتَ أحدًا -على سبيل المثال- هل تعرفُ الشَّاعر «أحمد بن الحسين الجعفي»؟، سيكون الجوابُ: «لا»، ولكنْ إذا قلتَ: هلْ تعرفُ «أبو الطَّيب المُتنبِّي»؟ لقالَ لكَ» ومَن لا يعرفه؛ فاسمُه نُسيَ، ولم يعدْ يعرفه أحدٌ إلَّا بلقبِهِ، ادَّعى النبوَّةَ، ومَن ثمَّ تابَ واستمرَّ اللقبُ يلازمُه طيلةَ حياتِهِ.
«النابغة الجعدي» شاعرٌ وصحابيٌّ، اسمُه الحقيقيُّ «قيس بن عبدالله بن عمرو بن ربيعة»، أسلمَ وشهدَ فتح فارس؛ سُمِّي «النَّابغة»؛ لأنَّه أقام ثلاثين سنةً لا يقول الشِّعر، ثمَّ نبغَ فقاله، جاء عنه في سير أعلام النُّبلاء «النابغة الجعدي» شاعرُ زمانِهِ، له صحبةٌ، ووفادةٌ، وروايةٌ، وهو من بني عامر بن صعصعة، يُقال إنَّه عاشَ مئةً وعشرِينَ عامًا.
ومنهم الشَّاعر «تأبَّط شرًّا»، وهو «ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي»، من قبيلة بني فهم، أحد شعراء الجاهليَّة الصَّعاليك، لا يكادُ يعرفه إلَّا القليلُ؛ لأنَّه عُرف بلقبِهِ المشهور «تأبَّط شرًّا»، أمَّا عن سبب لقبه فيُقال إنَّه أقبلَ يومًا على أُمِّه يحملُ جرَّةً تحت إبطه، وهي مملوءةٌ بالأفاعي، فقالت: ويلي تأبَّط شرًّا، فأُطلق اللَّقب عليه.
أمَّا الشَّاعر «يزيد بن ضرار القطفاني»، فقد اشتُهر بلقب «الشريد»، لبيت من الشِّعر قاله وهو:
فَولَّى إخْوتِي وَبقِيتُ فَرْدًا
وَحيدًا فِي دِيارِهم شَرِيدًا
ومِن يومها، وهو يُعرف بهذَا اللَّقب «الشريد».
الشاعر العربي، وأحد أشهر شعراء العصر الأموي «أبو مالك بن غوث بن الصلت التغلبي»، لقب بالأخطل؛ لأن رجلا مر على قوم -والأخطل بينهم- فسأل عن شيء، فأخذ الأخطل يجاوبه وهو صغير، فقال الرجل: من هذا الغلام الأخطل، والأخطل في لسان العرب: هو طويل اللسان، ومن يومها اشتهر بهذا اللقب «الأخطل».
أمَّا الشَّاعرُ الجاهليُّ القديم «شاس بن نهار بن أسود»، من بني عبدالقيس من أهل البحرين، فقد غلب عليه لقب «الممزق»؛ لقوله في قصيدةٍ يمدحُ فيها أحدَ ملوك الحيرة، ويطلب منه إغاثته من أعدائه السَّاعين لقتله:
فَإنْ كنتَ مَأكُولًا فكُنْ خيرَ آكلٍ
َإِلَّا فَأدْرِكْنِي وَلمَّا أُمزَّق
فأنتَ عميدُ النَّاس مَهمَا تَقلْ نَقلْ
وَمهمَا تضعْ مِن بَاطلٍ لَا يحقَّق
أمَّا الشَّاعرُ «عامر بن المجنون الجرمي»، إنَّما لُقِّب «مدرج الريح» بشعرٍ قاله في امرأةٍ كان يزعمُ أنَّه يهوَاهَا من الجنِّ، وأنَّها تسكنُ الهواءَ، وتتراءى له، قال فيها:
لابنةِ الجنِّيِّ فِي الجوِّ طَلَلٌ
دَارِسُ الآياتِ عافَ كالخَلَل
درستهُ الرِّيحُ مِن بينِ صبَا
وجنوب درجتْ حينًا وطَلَل
وأختمُ بالشَّاعرِ «ثابت قطنة»، أحدُ شعراء خراسان وفرسانهم، ذهبتْ عينُه فكان يحشوها بقطنةٍ؛ فسُمِّيَ ثابت قطنة، وقال فيهِ قائلٌ:
لَا يعرفُ النَّاسُ منهُ غيرَ قطنتِهِ
وَمَا سِوَاهَا مِن الأَنسابِ مَجْهُولُ


