هو عنوانٌ أراه يمثِّل توصيفًا دقيقًا لحالةٍ خفيَّةٍ يُعانِي منها كلُّ فردٍ يعيش في مجتمعٍ تمدَّدت فيه قنوات (التواصل)، فأصبحت تلك القنوات هي مَن يوجِّه (الدفَّة)، ومَن يصنع (الذَّائقة)، ومَن يمارس بما يمثِّل إعادة (التَّهيئة) حسب ما تقول (خوارزميَّات) تلك القنوات، وما تكرَّر منك البحثُ عنه، أو فتحت بابه الأوَّل قبل أنْ يدهمك (طوفان) المقاطع، التي لم تكن تخطر لك على بالٍ.
تأمَّل معي كيف هو حالُكَ -اليوم- مع حرصِكَ على (الوقت)؟ كيف أصبح يتسرَّب من بين أصابع يديكَ، وأنتَ تتفاجأ أنَّه قد (انصرمَ) منكَ أوقاتٌ كثيرةٌ، وأنتَ تقضي السَّاعة، والسَّاعتَين، والثَّلاث أسيرًا لتلك القنوات، كلَّما خلصتَ من مقطعٍ داهمكَ آخرُ، وكلَّما (طفشتَ) من قناةِ تواصل ذهبتَ إلى أُخْرى، وأنتَ في ذات الجلسةِ لا ينبِّهكَ لطولِ الوقتِ إلَّا تنمُّل أطرافِكَ و(طقطقت) مفاصلكَ؟!.
ثمَّ ما هي النَّتيجة في معيار المفيد، وبناء ثقافة حقيقيَّة تأخذُكَ إلى الأفضل، تُضيف إليك، ولا تأخذ من رصيدِكَ؟ هنا أتركُ الإجابة لك -عزيزي القارئ-؛ لتقيِّمَ نفسكَ، وسير حياتكَ في ظلِّ هيمنة قنوات التواصل، وكلُّ ما أرجُوه أنْ تخرج بأقلِّ الأضرار، وبما يمكنكَ معه (العودة)، التي أشكُّ في مقدرةِ الكثير عليها.
جرِّب أنْ تخرجَ من (أسر) قنوات التواصل لساعةٍ، أو ساعتَين، وإنْ كنتَ قويًّا -كما تعتقدُ- فأكمل اليومَ دون تلك القنوات، فإنْ استطعتَ أنْ تتجاوز هذا الاختبار (الصَّعب)، والصَّعب جدًّا، فأنت مؤهَّلٌ للمرحلة التَّالية، وكلُّ ما هو مطلوب منك، أنْ تتأكَّد من مخزون وقودِكَ حتَّى لا تتفاجأ في منتصف الطَّريق بنفادِهِ؛ لأنَّ ذلك يعني (العودة) إلى أسرِ قنوات التواصل، ولكن بشراهةٍ أكثرَ، ووقعِ سحرِ أشدَّ.
وفي جانبٍ خفيٍّ مسكوت عنه رغم خطورتِهِ، وشناعة أثرِهِ، يبرز تساؤل: كيف أنت، وقناعاتكَ؟ ألَا ترَى أنَّكَ في ظلِّ أسرِ قنواتِ التواصلِ قد أُعيد (تشكيلُكَ)، وفي جوانبَ كنتَ فيها مع نفسِكَ صاحبَ رصيدٍ قد (خفَّ) ميزانُكَ؟ كلُّ ذلك يحدثُ، وأنتَ أنتَ -هكذا تعتقدُ- ولكنَّ الحقيقة أنَّكَ لم تعدْ كما كنتَ!
تأمَّل معي كيف أنَّ تلك المنشورات، والرسائل، والصُّور، والمقاطع، التي كنتَ -في أقلِّ أحوالك- لا تبحث عنها، كيف (تدهمكَ) اليوم، وصولًا إلى مرحلة (الاعتياد) عليها؟ فكيف بحال مَن وُلد في كنف قنوات (السوشيال ميديا)، ونشأ عليهَا؟ وفي تساؤلٍ أعمَّ، وأشملَ: كيف هو حالُ الأجيال التي لا تعرفُ مِن الحياة كبناءٍ قيميٍّ، وإرثٍ تاريخيٍّ سواها؟!
لنصل إلى أنَّ هذا الواقع على ما فيه من (سوداويَّة) لا يُعدم خط (الرَّجعة)، ولكنَّها في ظلِّ اتِّساع مساحة الأثر غير المحمود لقنوات التواصل رجعةٌ (مكلِّفةٌ)، بدايتها من الاعتراف أنَّكَ كفردٍ (اُحتللت)، وعليكَ أنْ تبدأ الرِّحلة -إنْ استطعتَ- لتحرِّرَ نفسك، وتذكَّر عندما تنجح عليك (واجب) أنْ تخبرَ الآخرِين كيف فعلتَ ذلك؟ وعِلمي وسلامتكُم.


