Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

المنهجية البحثية للخطين الأول والسعودي

11

A A
يتمتع الخط العربي بتاريخ غني ومتنوع، تطور عبر القرون ليقدم إرثاً من الجمال وأناقة الحركة، متمثلاً بالنسيج الغني والتنوع الكبير في أشكال الحروف العربية، والذي يُعدُّ سمةً مميزة لأساليب الكتابة، وهو ما يتجلى في تعدُّدِ أنواع الخط العربي، فيما تحكُم كلّاً منها مجموعةٌ معقدة من القواعد التي تحدد أشكال الحروف والمنطق الذي تتّحد به الحروف لتكوين الكلمات، وهو ما استلهم منهجيةً لابتكار خطين حديثين هما "الخط الأول" و"الخط السعودي" بعد دراسة العمق التاريخي للخطوط العربية من خلال العودة للجذور الأولى التي يمكن رؤيتها في أقدم النقوش الإسلامية أو في المصاحف المبكرة.

الاحتضان الكامل لنطاق تراث الخط العربي حثّ على فحص ودراسة تلك الأساليب المبكرة من أجل تحقيق فهمٍ أكثر شمولاً ودقةً لأشكاله الأولى وحتى حالته الحالية، و يمكن استخدام هذا النموذج كمرجعٍ للخطوط الطباعية العربية الجديدة التي ترغب في اتّباع هذا النمط من الكتابة العربية، ويفتح ذلك مساحةَ تصميمٍ جديدة للخطوط العربية الجديدة لتزدهر فيها، وليتوفر الآن لدى مصممي الخطوط الطباعية نموذجٌ واضحٌ لفهم ميزات هذا النوع من الخط العربي، وأشكاله الخاصة، وعلاقات الأحرف مع بعضها البعض، وقواعد ارتباطها ببعضها كي تركّب الكلمات.

بدأت المرحلة الأولى من العمل على الخطين في زياراتٍ ميدانية لعددٍ من الباحثين المختصين في عدة مجالات علمية في المخطوطات، والآثار، وتاريخ الفن واللغويات؛ لتوثيق مجموعةٍ من النقوش الأثرية بالنمط العربي القديم في المملكة العربية السعودية، والبحث عن مصادر للمصاحف المبكرة في المكتبات العالمية، وتحليل السمات الرسومية لهذه الخطوط، وتطوير نموذج هيكلي يمكن استخدامه كمرجع لتصميم خطوط طباعية جديدة من منظورَين تاريخي وفني.

إلى ذلك تم تحليل مجموعة واسعة من المصاحف المبكرة لنفس الفترة الزمنية بهدف تقديم مجموعةٍ أوسع من المواد المرجعية من أجل تحقيق أعلى مستويات الدقة التاريخية للتثبت من ربط الحروف بين بعضها البعض مثل الفاء والجيم والميم، بالإضافة إلى شكل الياء في نهاية الكلمة.

ولتطبيق ذلك عملياً، دُعِي عددٌ من المصممين والخطاطين السعوديين لتصميم خطوطٍ طباعية جديدة، والحرص على أن يكون مطابقاً للخطوط المبكرة قدر الإمكان، مع الحفاظ على مظهر النص المكتوب بأدواتٍ معاصرة وتحاكي نماذج النقوش، واختبارها باستخدام النقوش الفعلية على الصخور للمساعدة على ترسيخ العملية، والتأكد من صحة النموذج، بالإضافة إلى فريق محلي ودولي من الخبراء لنقد العمل وتقييمه.

وقد تتبّع المتخصصون السمات التصميمية والبنيوية لأسلوب الكتابة المستخلص من البحث، لكتابة انطباعٍ يدوي أولي يحاكي كيفية تطبيق هذا النموذج الكتابي مع الالتزام بخمسة مبادئ للتصميم تتمثل في الأصالة والجاذبية، والوضوح، وجمال الشكل، والتفرد.

وفي المرحلة الأخيرة، تم العمل على تصميم الخطين بشكل رقمي، وذلك لإعداد تصميمٍ كامل لمجموعة الأحرف التي ستكون بعد ذلك بمثابة أساسٍ لرقمنة التصاميم وتطوير الخط الحاسوبي بمشاركة جميع الخطاطين والمصممين والخبراء المشاركين في الورش، ومن ثم حُوِّلت جميعُ تصاميم الخطوط الطباعية إلى برامج تقنية لرقمنتها في برامج تطوير الخطوط الحاسوبية، ووُسِّعت مجموعةُ الأحرف بزيادة أرقام إضافية وبزيادة الخط اللاتيني، وصمم وزنٌ أكثر سماكة لكل خطٍّ من أجل توسيع نطاق الخدمة لكل تصميم، وتمت مراجعتها من قِبل الباحثين والخطاطين في أكثر من مرحلةٍ للتأكد من مراعاة السمات التصميمية المستخلصة في مراحل عمل المشروع.

يتميز الخط الأول بأسلوبٍ يحافظ على خصائص الخطوط الأولى من مصادر الإلهام في القرن الأول الهجري مع سماتٍ تصميمية خاصة به، وينقل القارئ إلى الحقبة التاريخية للنقوش.

ورغم أن الخط الأول يشترك في الكثير من سماته مع النقوش لكنّه ليس نسخةً طبق الأصل، حيث يبتعد الخط الأول عن التصميم الهندسي للنقوش في اعتماده بشكلٍ أكبر على حركة القلم في ملمسه العام، والنتيجة هي تصميمٌ أكثر سلاسة في حركته، وأكثر مرونة، وأكثر سهولة في التعامل معه، إضافةً لتحديث أشكال بعض الحروف للمساعدة على سهولة القراءة، فيما تغرس في القارئ شعوراً مباشراً بالألفة وتربطه بسرعةٍ بتلك الأيام الأولى من التاريخ.

بينما الخط السعودي الجديد مستوحىً جزئيّاً من النقوش الصخرية والمصاحف المبكرة، لكنه يرتكز على أشكال ومقاييس معاصرة من الخط الأول، وهو يحافظ على تشابه واسع النطاق في هياكل الحروف، وتتميز أشكاله بمقاييس أكثر معاصرة، تعطي القارئ إحساساً بقوة واستقرار في تصاميم الحروف، كما تعمل المقاييس على إنتاج إيقاعٍ مريح غير مستعجل، وتبرز هذه المقاييس بوضوح أكبر في الحجم والإيقاع، وبالتالي، فإن الخط يولّد إحساساً بالعصرية والراحة.

66



contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store