ضجَّت المواقعُ الإسفيريَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة، خلال الأيام الماضية، بأنباء عن مقيمين أساؤوا للمملكة، عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعيِّ، قامت على إثرها الجهات التي يعملُونَ فيها بإنهاء التَّعاقد معهم، ورفع الأمر للجهات الرسميَّة المسؤولة، توطئةً لاتِّخاذ الإجراءات المناسبة في حقِّهم.
وساد غضبٌ كبيرٌ وسطَ مختلف فئات الشعب السعوديِّ، على جرأة هؤلاء النَّاكرِينَ للجميل، الذين ضاقت بهم بلدانُهم، وفتحنا لهم قلوبَنَا قبل أبوابِنَا، واستقبلنَاهُم بطيب خاطر، وسمحنَا لهم بالبقاء بيننا، والعمل، واكتساب الرِّزق الحلال، فماذا كانت النتيجة غيرَ الجحودِ ونكران الجميلِ؟.
ورغم تقديري التَّام لمشاعر السعوديِّين، الذين استفزَّهم ذلك التَّطاول، وغضبُوا من تلك التصرُّفات الرَّعناء؛ لأنَّهم لا يرضُونَ لبلادهم أيَّ إساءة، إلَّا أنَّني لم أستغربْ ذلك التصرُّف؛ لأنَّ هؤلاء في الحقيقة عديمي أخلاق، وقد أعماهم الحقدُ على هذه البلاد، التي تقطعُ في كلِّ يوم خطواتٍ واسعةً نحو التنمية والرفاهِ، رغم أنَّها تقع وسط محيطٍ عامرٍ بالفوضَى، وعدمِ الاستقرار الأمنيِّ، والتراجع الاقتصاديِّ.
وسببُ عدم دهشتي يرجع إلى يقينِي التَّام، بأنَّ هذه هي ضريبةُ النَّجاح، التي يجبُ أنْ ندفعها، وهذا هو ثمنُ المعروفِ الذي نفعله بطيب خاطر، ولا نرجُو مقابلًا له، لذلك فإنَّنا في هذه الحالة، نتعاملُ -كما يقولُونَ- بأصلنا الطَّيب، ومعدننا الأصيل، وهم يقابلُون هذا المعروف بخسَّتِهم ودناءتِهم. فماذا نرجُو ممَّن انعدمت عنده الفضيلة، وغابت عن قلبه الأخلاقُ؟.
لذلك ترفَّعنا في حالات متكرِّرة عن الردِّ على إساءاتٍ كثيرةٍ، وجَّهها إلينا بعض الإخوة العرب، وقد أحسنَّا إليهم، ومددنا لهم أيادينا بالخير، ووقفنا إلى جانب بلدانهم، فقابلوا حُسن صنيعنَا بسوءِ أخلاقهم. لكن أنْ تأتي الإساءةُ ممَّن هُم لا زالُوا يعيشُون وسطنا، وينعمُون بخيراتِ بلادنا، فهذا هو ما لا نستطيعُ الصَّبرَ عليه، أو غضَّ الطَّرف عنه، فللصِّبر حدودٌ -كما يقولُونَ-.
ما يُدهشنِي حقيقةً، هو السَّبب الذي يدفع أمثال هؤلاء الموتورِينَ لهذا الفعل غير الأخلاقيِّ، وهم يعلمُونَ تمامًا، أنَّ أمرَهم سوف ينكشفُ بسرعةٍ، وأنَّ إساءتهم لن تمرَّ بدون مساءلةٍ، وسيجدُونَ الجزاء الرَّادع الذي لن يقلَّ -بأيِّ حالٍ- عن الطَّردِ من الوظيفةِ، والتَّرحيل من هذه البلاد التي آوتهُم، وجاؤوهَا بملءِ إرادتِهِم؟.
لماذا يقطعُ هؤلاء أرزاقهم بأيديهِم، ويعودُونَ إلى نقطة الصِّفر بأفعالٍ لن تعودَ عليهم بأيِّ فائدة؟، إذا كانُوا يريدُون المغادرة، فبإمكانِهِم أنْ يطلبُوا ذلك من أماكن عملهم، ويغادرُوا إلى بلادِهِم بكلِّ سهولةٍ، وباحترامٍ تامٍّ. حتَّى إذا كانُوا يريدُون الإساءة لنا لأشياء في نفوسهم، فبإمكانِهِم أنْ يفعلُوا ذلك بعد أنْ يصلُوا إلى بلادهم، لكنْ أنْ يقومُوا بذلك، وهم يعيشُونَ بيننا، وينعمُونَ بخيراتِنَا، فهذا هو الفعلُ المُحيِّرُ.
بعد تفكيرٍ طويلٍ لم أجدْ تفسيرًا لذلك، إلَّا أنَّ هؤلاء يعانُون من امتلاء قلوبِهِم بالحقدِ والغلِّ، ويتَّسمُونَ بالغباءِ واللُّؤمِ الذي أعماهم عن التدبُّر في عواقب أعمالِهِم، فأقدمُوا على الإساءة للبلاد التي احتضنتهُم بلا مبالاةٍ، وهؤلاء يصدقُ فيهمِ قولُ اللهِ تعَالَى: «لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ».
وفي مقابل هؤلاء الجاحدين، هناك أخوة أعزَّاء عرب، وآسيويون، وأفارقة، ومن كافَّة بلاد الدنيا يعيشون بيننا، ويحفظون جميلنا، ويبادلوننا التقدير والاحترام، أنعم الله عليهم بقلوب صافية، ونفوس نقية، يقاسموننا لقمة العيش، ويكسبون رزقهم بعرق جبينهم، فهؤلاء نحملهم في حدقات عيوننا، ولا نرضى لهم إلَّا بما نرضاه لأنفسنا.
أمَّا نحنُ كسعوديِّين -قيادةً وشعبًا- فلن نشغلَ أنفسنا بهذه المهاتراتِ، ولن نلتفتَ إليها، فنحنُ مشغولُونَ بما هو أهم من ذلك، ووقتنا ثمينٌ وغالٍ، ولسنا على استعدادٍ لإضاعته في سجالاتٍ عقيمةٍ، ومناكفةٍ ممجوجةٍ، فأمامنا طريقٌ طويلٌ من النَّهضة، نمضي فيه بخطى ثابتة، ولدينا مستقبلٌ مشرقٌ. نحنُ مشغولُون برسم معالمِه، والأهم من ذلك أكرمنَا اللهُ تعالَى بقيادةٍ حكيمةٍ لم تبخلْ على شعبها بالغالي والنَّفيس، وسخَّرت كلَّ جهودها لإسعادِهِ وترقيةِ واقعِهِ.


