الحياة ليست أمك.. لحظة تؤمن بهذه الجُملة؛ ستتعامل مع الحياة بشكل مُختلف؛ وبكل واقعية ستتعايش مع الأشياء التي تعتقد يوماً ما استحالة تعايشك معها.
وحدها أمك من تهتم لأمرك؛ الآخرون في هذه الحياة لن يقوموا بهذا الدور؛ أبداً..
تجارب الحياة المُرة زرعت في داخلي ألماً كبيراً؛ وجروحاً غائرة؛ ووجعاً لا يمكن لي تجاوزه؛ وكِدتُ أخسر البقية الباقية من روحي التي تحطّم أكثرها؛ لأجد صديقاً لـ والدي يأخذني إلى وادٍ كثيراً ما تغنّى بِهِ شُعراء قبيلتي؛ وحدّثوه كأحد رفاقهم المُخلصين، وبثّوا الشكوى له وافتقدوه في ترحالهم نحو البحث عن مرعىً جيّد لإبلهم؛ عندما وصلنا قال هذا الوادي المنّسي: هل غيّرت عزلته أحواله؟.
قلت: لا.
قال أنت كهذا الوادي الذي رضخ لقدر الجغرافيا والعطش لم يتغيّر حاله ولن يتغيّر، انطلق وافعل الأشياء التي تُحِب فعلها، ولا تُحاول المُستحيل، لم يعد في العُمر مُتسع لخوض المُستحيلات.
يا أحمد، قطار الحياة لن يتوقف من أجل حزنك، أو انكسارك، أو إحساسك بالتعب، أو اليأس، الأشياء السيئة ستمر والأشياء الجيّدة كذلك، وتذكر أن «الحياة ليست أمك»، عُدنا معاً؛ وانطلقتُ في رحلة مواجهة الحياة.
ولأول مرة، شعرت أني لا أحتاج أن أكون بخير كي أستمر، ولا أن أبرر ألمي لأحد. لم أعد أبحث عن مواساة بقدر ما أصبحت أبحث عن معنى. كنت أستند على كلمات الرجل الطيّب، تلك التي أيقظت شيئاً في داخلي ظلّ نائماً طويلاً؛ شيئاً يشبه الرضا أو ربما يشبه القبول.
بدأت أكتب، وأمشي، وأُراقب الشمس وهي تسقط كل مساء، بلا دراما، ومع ذلك تعود كل صباح دون أن تعتذر عن الغياب. تأملت الأشجار التي تجف ثم تورق من جديد، وتعلمت أن الجفاف لا يعني النهاية، لكنه فترة انتظار صامتة لما هو قادم.
صرت أرى الحياة كما هي؛ صاخبة، فظة، قاسية، لكنها في الوقت ذاته جميلة؛ تعطينا فرصاً صغيرة – خافتة- نحتاج فقط أن نراها.
لم أعد أبحث عن يدٍ تُمسكني في كل سقطة، تعلمت أن أُهيئ نفسي للنهوض وحدي.
والآن، بعد سنوات من تلك الرحلة التي بدأت من الوادي، أستطيع القول إن الألم لم يختفِ، لكنه أصبح جزءاً من حكايتي لا يُخيفني، إنما يُذكرني أنني بخير الآن. لم أُعد ذلك الشاب الذي ينتظر شيئاً ما ليُغيّر حياته، لكنني أصبحت ذلك الشخص الذي يصنع التغيير من فتات الأمل.
ولأن الحياة ليست أمك، لا تُراهن على حنانها.
راهن على قوتك، على بقايا حلم لم يمت، وعلى قلبٍ ما زال ينبض رغم كل شيء.


