Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

«وي»

A A
العنوان هو من أجمل المصطلحات التي تعبر عن التعجب، وبالرغم من ارتباطه «بهروج» السيدات، وبالذات في لهجة الحجاز التاريخية، إلا أنه من الكلمات العربية الفصحى.

وكلنا نمر بتجارب أو أفكار أو أخبار تفوق درجة الفهم، وبالتالي فنجد أن أفضل ما يصف إدراكنا هو كلمة «وي».

وأتذكر شخصيا مجموعات من الأفكار التي وصفتها الكلمة بدقة أيام الدراسة.. ومنها المعادلات التفاضلية في عالم الرياضيات، وتفاصيل ظاهرة الجاذبية في عالم الفيزياء، ودورة «كريبز» التي تصف سلسلة تفاعلات كيمائية معقدة في عالم الكيمياء الحيوية.. والآن أتت قرارات رفع التعرفة الجمركية على السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة.

وقد بدأت منذ حوالى شهر لتغير مفهوم العولمة، بل والتجارة العالمية بأكملها.

وهناك العديد من الجوانب السياسية، والاقتصادية الجوهرية المتعلقة بالموضوع، وفي هذا المقال سأركز على إحدى أهم القطاعات المتوقع أن تتأثر بالتعرفة وهي قطاع تصنيع الطيران التجاري.

هذا القطاع يتميز بدرجات اعتمادية هائلة على التجارة الدولية.

وبصراحة فإن مصطلح «سلاسل» الإمدادات لا يصفه بدقة، فالأصح هو «شبكات» الإمدادات التي تغطي صناعات كثيرة بأحجام وأشكال وتخصصات مختلفة كثيرة.. من دول كثيرة.

ولو أخذنا صناعة طائرة البوينج 787 كمثال، سنجد أنها تصنف كطائرة أمريكية يتم تصنيعها في ولايتي «واشنطن» و»كارولينا» الجنوبية من الشركة الأمريكية العريقة التي أسسها الأمريكي «وليام بوينج» عام 1916.

ولو دققت في الأجزاء الأساسية من جناح الطائرة المتطور والذي تفوق مساحته مساحة منزلي، ستجد أن معظمه مصنوعا في اليابان من شركتي «كواساكي» و»ميتسوبيشي» اليابانيتين.. وفي اليابان أيضا تصنع شركة «يواسا» بطاريات الطائرة، وأجزاء كبيرة من بدن الطائرة في مصانع شركتي «كواساكي» و»فوجي».. يعني مكوناتها اليابانية تستحق وقفة تأمل.. وتصنع أطراف جناحي الطائرة في شركة «كاي أيه أيه» الكوريه.. وأما شركة «ألينا» الإيطالية فهي تصنع الجزء الأوسط من بدن الطائرة وذيلها الذي تعادل مساحته حوالي نصف ملعب تنس أرضي.. وتصنع شركة «رولز رويس» البريطانية إحدى خيارات المحركات للطائرة، وفي مصانع كندا وأستراليا تصنع أجزاء من أسطح جناحي البوينج، وتصنع شركة «ميسييه دواتي» الفرنسية مكابح الطائرة.. وهناك المزيد من الشراكات الدولية لأنظمة الدفع، والملاحة، والمواد المتقدمة، والتصميم، والإدارة، والأنظمة البيئية، والتجهيزات الداخلية للمقصورة، والحواسيب، والسباكة، والكهرباء، وغيرها.

وباختصار، فعدد مكونات البوينج 787 الأساسية تصنع في أكثر من خمسين مصنعا في تسعة بلدان لتجمع في مصنعي البوينج في ولايتي واشنطن وكارولينا الجنوبية.

وتعتبر هذه الطائرة إحدى أهم الأمثلة على عولمة الصناعة، علما بأن التجمع الصناعي العالمي لا يعكس الميزات النسبية في التكاليف فحسب، بقدر ما يعكس التميز في التصنيع المتقدم باستخدام مواد جديدة، وتقنيات حديثة في عالم الطيران التجاري.

ولم تنتج هذه الفلسفة من فراغ، فمنذ أكثر من أربعين سنة، بدأت الشراكات الصناعية الدولية المتطورة في عالم تصنيع وتجميع الطائرات التجارية.

وإحدى سماتها هي التعاون الدولي الدقيق، وفلسفة الامدادات «على الحركرك» Just in Time Logistics، والمقصود هنا هو دقة التوقيت في تسليم المكونات من المصادر بطرق تتجنب تراكم القطع المكلفة في المصانع أو المستودعات.

* أمنيـــــة:

بدأت بذكر صعوبة فهم بعض المبادئ العلمية المعقدة، وسأنهي المقال بالتأكيد أن بعض السياسات تحتوي على التعقيد أكثر من أصعب المعادلات الرياضية والأفكار، بسبب تأثيراتها على العالم بأكمله.. أتمنى أن تدرس التعرفات الجمركية الجديدة بحرص، وأن يتم فهم تأثير معاركها على عالم الطيران التجاري، وجميع السلع والخدمات الأخرى التي أنعم الله علينا بها، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store