Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

الإفلاس الحقيقي.. التأثير والتأثر

A A
‏يعرِّفُ بعضٌ من علماء النَّفس «الشخصيَّة» بأنَّها: المجموع الكليُّ للأنماط السلوكيَّة الظاهرة والكامنة والمكتسبة بالوراثة، أو بالبيئة الاجتماعيَّة.. وهناك أنواعٌ كثيرةٌ من أنماط الشخصيَّة منها الشخصيَّات: السيكوباتيَّة، والنرجسيَّة، والوسواسيَّة، والانبساطيَّة وغيرها.. ولستُ بصدد تحليل الشخصيَّات، ولكن تفسير بعض السلوكيَّات المنفِّرة اجتماعيًّا، وهي (شخصيَّة المفلس)، والتي قال عنها الرَّسولُ الكريمُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أَتدرُونَ مَن المُفلسُ؟ قَالُوا: يَا رَسولَ اللهِ المُفلسُ فِينَا مَن لَا دِرهمَ لهُ وَلَا مَتَاع، قال: إِنَّ المُفلسَ مِن أُمَّتِي مَن يَأتِي يَومَ القِيَامةِ بِصَلاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيامٍ وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا وَأَخَذَ مَالَ هَذَا فَيَأخذُ هذَا مِن حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسنَاتُهُ قَبلَ أَنْ يَقضِيَ مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن سَيئَاتِهِم فَطُرِحَ عَلَيهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».

حقيقةً، إنَّ شخصيَّة المُفلس هذَا، تعيش في أبراج عاجيَّة من المثاليَّة الزَّائفة، التي يكون قد رسمها لنفسه، ويقيس النَّاس والمجتمع عليها، فتراه ينظرُ لنفسِهِ بأنَّهُ ليسَ كَمِثلِهِ شَيء؛ وَأنَّ النَّاسَ لابُدَّ أنْ يكونُوا متطابقِينَ معه، رغم أنَّ تصرُّفاتِه عوجاء، ولكنْ فقط لأنَّه شديدُ الإعجابِ بنفسهِ، فيعملُ على مصادرةِ آراء الآخرِينَ المخالفة لرأيهِ، ‏فهُو لا يرَى إلَّا نفسَه، ولا يسمعُ إلَّا صوتَهُ، و»مَنْ ليسَ مَعِي فَهُو ضِدِّي».. فينهال على الآخرين بالقدحِ والشتائمِ؛ للتَّنفيسِ عن نفسه.. ولا يدركُ أنَّ الله تعالى خلقَ البشر مختلفِينَ.. كما قالَ عزَّ من قائلٍ: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).. ولابُدَّ من احترام الرَّأي الآخر مهما كان، خاصَّةً بوجود أسبابٍ حقيقيَّةٍ ودلائلَ ومؤشراتٍ؛ بينمَا هو ليس في جعبته سببٌ واحدٌ مقنعٌ لرأيه، ولكنْ للأسف ثقافة الاختلاف بعيدة عن وعيه وفكرِهِ.

‏بل لا يدركُ -أحيانًا- خلفيَّات الأمور، ويأخذ في أحكامِهِ الصَّادرة على المظاهر دون التثبُّت..!! والمشكلة أنَّ أمثال هذا هُم -عادةً- من الحَمقَى، وشديدِي الانفعال، فتراهُ يفرغ شحناتِ غضبه على الآخرِينَ، ولا يراعى كبيرَ سِنٍّ، أو طفلًا صغيرًا، أو قائدًا إداريًّا.. والرَّسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «لَيسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا».

بلْ يقولُ: «لَيسَ القَويُّ بِالصَّرْعَةِ وَإِنَّمَا القَويُّ الذِي يُمْسِكُ نَفْسَهُ عِندَ الغَضَبِ»، ولكنْ -للأسفِ- وكمَا قِيل:

لكلِّ داءٍ دواءٌ يُستَطَبُّ بِهِ

إِلَّا الحَمَاقَة أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا

‏‏أمثال هؤلاء الشخصيَّات ينفر النَّاس منهم؛ ممَّا يجعلهم يفقدُونَ الكثير من الصَّداقاتِ والتواصلِ الاجتماعيِّ، بل يجعل الآخرِينَ يتعاملُونَ مَعَهم بحذرٍ شديدٍ، وربَّما بمجاملةٍ كُبْرى؛ حفاظًا على كرامتِهِم، ووقايةً من شرِّ ألسنتِهِم.

‏هؤلاء لديهم إيمان أعمى بأنهم متفوقون على الآخرين، ويسمحون لأنفسهم بسلطة وهمية، حتى ولو على مجموعات الواتس أب؛ لانشغالهم بتخيلات عن نجاحهم وقوتهم وإنجازاتهم التي قد تعجب قلة قليلة مستفيدة من الوهم على حساب الحقيقة المرة.. وهي عدم القدرة على تمييز حاجات الآخرين وحقوقهم ومشاعرهم.. والتصرف بطريقة متعجرفة، والتباهي بالحط من الآخرين.. مما يدلل على شخصية متسلطة ومغرورة بجعل أنفسهم يبدون أعلى شأناً.. وهم ربما على النقيض من ذلك.

‏هؤلاء لا يعترفُون بأخطائِهِم، ويشعرُونَ أنَّهم على صوابٍ دائمًا.. ولكن ماذا عن الطَّرف الآخر الذي شعرَ بالإساءةِ والإهانةِ والظلمِ من أشياء قد لا يعرف ذلك المُفلس خلفيَّاتها.. ألَيسَ من الحكمةِ وحُسنِ التَّعاملِ وكسبِ المودَّة وصِلةِ ذوي القُرَبي، ‏العودة عن الظُّلم والاعتذار؟.

هؤلاء البشر ليسَ أقلَّ من ألَّا تلتفت لهم، ليس من باب القطيعةِ، ولكن من مبدأ (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).. فهؤلاء ليسُوا أسوياء، وهم بجهلهم قد أبعدُوا الكثيرِينَ من حولهم من الأهل والأقارب والأصدقاء والأرحام.. هؤلاء قد يُصنِّفهم بعضٌ من علماء النَّفس أنَّهم من أصحاب اضطراب الشخصيَّة النرجسيَّة، وهي حالة مرضيَّة عقليَّة، حيث ينتابه شعورٌ مُبالَغ فيه بأهميَّته، ويحتاج -دائمًا- إلى إطراءٍ زائدٍ من الآخرِينَ، ولكنَّه مع ذلك يفتقدُ إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين، أو مقدار الألم الذي يُسبِّبه لهم بتصرُّفاتِهِ الخاطئةِ.. وسلوكِهِ غير المتَّزن، في حين أنَّه ينزعجُ بسهولة من أيِّ انتقادٍ له، حتَّى ولو كان صحيحًا!!.

المشكلةُ في المفلسِ أخلاقيًّا، أنَّ الإفلاسَ -أيضًا- يلحق بصحته، فترى أمراضًا تحيط به من كلِّ جانبٍ «ضغط، وقلب، وسكر»... وغيرها؛ لأنَّه استنزفَ صحَّته وجهدَه في الخصومة مع هذا، والرَّد على ذاك والمجادلة.. ولكن ليس بالتي هي أحسن!!.

‏إنَّ علاج هؤلاء بأيديهم.. ليس إلَّا بمحاسبة النَّفس والامتثال لقواعد الأخلاق، ومبادئ السلوك السَّوي، وإلَّا فالموتُ أقربُ للإنسانِ من حَبلِ الوَريدِ، والجَزاءُ مِن جِنسِ العَملِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store