في ضوء المفهوم الخاطئ والدَّارج -عند الكثير من النَّاس- بأنَّ الصَّلاة هي -فقط- الصَّلاة الحركيَّة المعروفة بـ»الفروض الخمسة، والسُّنن، والنَّوافل»، بينما الصَّلاة ذات مدلولٍ واسعٍ وعظيمٍ، فهي لُغويًّا بلفظها المجرَّد تُعرَّف بأنَّها الدُّعاء بمختلف صورِهِ وغاياته؛ كونها تحقِّق الاتصال مع الله تعَالَى، والتوسُّل إليه بتحقيق المطالب الدنيويَّة والأُخرويَّة، والرَّجاء منه بغفران الذُّنوب والخطايا والزَّلات، ويعفو عنها، لكنَّ الصَّلاة بلفظها الشَّامل، لها أربعة أوجهٍ، نذكرها فيما يلي:
* الصَّلاةُ الرأسيَّة، وهي تتمثَّل في التواصل المباشر مع الله -سبحانه- في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، من خلال الدُّعاء والتوسُّل والرَّجاء، وهذه تُعدُّ أسمَى درجات الصَّلاة؛ كونها بعيدةً عن الرِّياء والسُّمعة، وتصدر بصفاءٍ ونقاءِ سريرةٍ، وهذه يمكن تعريفها بدرجة الإحسان، الذِي هُو أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ ترَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَهُو يَرَاكَ.
* الصلاة الأفقية: وهي تتمثل في تطبيق أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه في التعامل مع الناس، كعدم الكذب، والنصب، والاحتيال، والظلم، وإخلاف الوعد، واجتناب الغيبة، والنميمة، والبهتان، وعدم الغش، وتأدية الأعمال بما يرضى الله تعالى، وإعطاء كل ذي حق حقه، والوفاء بالوعود، وتطبيق القيم الفاضلة، واجتناب السلوكات السيئة في ميدان الحياة، وهذه -لا شك- تلي الصلاة الرأسية في مرتبتها الدينية.
* الصَّلاةُ الحركيَّة: هي الصَّلوات الخمس، التي يقيمها المُسلمُ كلَّ يومٍ، وما رافقها من النَّوافل، وصلاةُ الميِّت، وصلاةُ الاستسقاء، وصلاةُ العيد، وهذه الصَّلوات حتمًا لا تخرجُ عن نطاق الدُّعاء والتوسُّل والرَّجاء، وقراءة ما تيسَّر من كتاب الله تعَالَى، وهذه الصَّلوات إنْ لم تنه عن الفحشاء والمُنكر، فهي لا تزيدُ الإنسانَ إلَّا بُعدًا عن الله، فقد يتخلَّلها الرِّياء بعد الانتهاء من الأداء منها، والسُّمعة، والمُجاملة، وعدم الخشوع والطمأنينة.
* الصَّلاة الوسطَى: هذه الصَّلاة يخطئُ الكثيرُ من الفقهاء في تعريف تحديدها، فيقول البعضُ إنَّها صلاةُ العَصرِ، ويقول البعضُ إنَّها صلاةُ الظُّهرِ، وقال البعضُ إنَّها صلاةُ الفجرِ، وهذا بالطَّبع بعيدٌ عن الصحَّة -تمامًا-؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ في كتابِهِ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى)، فذكر الصَّلاة الوسطَى منفردةً؛ كونه ذكر الصَّلوات، وفيها جمع لتلك الصَّلوات المذكورة في الصَّلاة الحركيَّة، لكنِّي أراها -من وجهةِ نظري- أنَّها الصَّلاةُ الرَّاسيَّة، والأُفقيَّة بين كلِّ صلاةٍ وصلاةٍ حركيَّة، أي ما بين الصَّلوات الخمس؛ كونَها تُعدُّ المعيارَ التطبيقيَّ لما تضمَّنته الصَّلاةُ الحركيَّة من حيث تطبيق القيم الفاضلة، والسلوكات الحسنة، بين كلِّ صلاةٍ وأُخْرَى.


