Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

في عودة سوريا الحضارة إلى العالم

A A
«في البداية يتجاهلُونك، ثمَّ يَسخرُونَ منك، ثمَّ يُحاربُونَك، ثم تَنتصر»!.

قد لا تُعبِّرُ مقولةٌ في التاريخ عن مشاعر السوريِّين، وهم يرون علم ثورتهم، ودولتهم الجديدة، يُرفعُ، رسميًّا، على مقر الأمم المتحدة، ويشاهدُونَ وزير خارجيتهم الشَّاب، يتحدَّث في مجلس الأمن، كما تُعبِّرُ تلك الجملة للمهاتما غاندي.

وتلك مقولةٌ رفعها السوريُّون في وجه مَن رفضَ، قبل كل شيء، إصرارهم التاريخيَّ، على عودة سوريا الحضارة إلى قلب العالم، من أطرافه، وإلى متنِ التاريخ، من هوامشه.

ولتكتمل مفارقاتُ هذا التاريخ، فقد كان أوَّلُ، وأشرسُ، مَن وقفَ تلك الوقفة الخائبة هو مَنْ أقسمَ، أربع مرات، واضعًا يده على المصحف الكريم، وبالله العظيم: «أنْ أحترمَ دستورَ سوريَا وقوانينهَا ونظامهَا الجمهوريَّ، وأنْ أرعى مصالحَ الشعبِ وحُرَّياتِهِ. وأحافظَ على استقلالِ الوطنِ وحريَّتهِ، والدِّفاع عن سلامةِ أرضِهِ. وأنْ أعملَ على تحقيقِ العدالةِ الاجتماعيَّةِ، ووحدةِ الأُمِّة العربيَّة»!.

عرفَ السوريُّونَ -على مدى عقودٍ من الصَّبر- أنَّ الرَّجل ونظامَهَ يعملان لتحقيق أهدافٍ، هي في جوهرها، عكسُ كلِّ كلمةٍ وردت في ذلك القسم. وبما أنَّ للصبرِ حدودًا، فقد جاءت اللحظة التي عبَّرُوا فيها عن رفضهم له ولنظامِهِ. ولو كان ثمنُ ذلك تقديم كل ما تُطيقه النَّفس البشريَّة من تضحياتٍ.

فعلى مدى أكثر من خمسة عقود، استخفَّ النظام السوريُّ بشعبه، إلى درجةٍ لا تكاد تُصدَّق. ولن يُدرك المرء معنى الكلام، ما لم يكن سوريًّا. فمن الشعارات إلى الممارسات، ومن القوانين إلى السياسات، كان واضحًا أنَّنا بإزاء نظام حكمٍ يرى مَن يُفترض أنْ يكونُوا (مواطنِينَ)، على أنَّهم أقلُّ من الحشرات.

كيف يُمكن لنظامٍ سياسيٍّ أنْ يُرسِّخَ في واقعٍ بشريٍّ يحكمهُ الفناءُ والموتُ شعارًا يقول: (قائدُنَا إلى الأبدِ..)؟! لم يقف الأمر عند ادِّعاء الخلود بالقول وبشكلٍ مباشر، وإنَّما تجاوز ذلك إلى ادِّعاء درجةٍ من الألوهيَّة، بلسان الحال، وبشكلٍ غير مباشر. فكلُّ فعلٍ قام به النِّظامُ على مرِّ الأيام كان يُوحي بوجود قناعةٍ عميقةٍ في قرارة نفسهِ بأنَّه يهبُ الموتَ والحياةَ، ويُعطي الرِّزقَ ويمنعهُ، ويتحكَّم بمصائر العباد والبلاد في كلِّ مجال.

في أيِّ بلدٍ من هذا العالم، يمكن لعريفٍ جاهلٍ في الجيش، أنْ يُخيف رئيسَهُ، نقيبًا كانَ، أو عقيدًا، أو لواءً، ويأمره بما يجبُ أنْ يفعل ليل نهار، ويجعل (خدمة الوطن) همًّا بدون نهاية؟ ومَن الذي قال إنَّ رجلَ الأعمال في بلدٍ كان مضرب المثل في الطبيعة التجاريَّة لشعبه، لا يستطيع أنْ يُطوِّر عملًا دون شراكةٍ مع مفسدٍ كبيرٍ؟، ومتَى كانَ الوزيرُ في أيِّ نظامٍ سياسيٍّ يرتجف رُعبًا من حاجبٍ لديه، أو من سكرتيره في أحسن الأحوال؟، بل متَى كانَ هذا الوزيرُ، أو رئيسُ الوزراء مُجرَّد (ممسحةٍ) يمسحُ بها الحاكمُ حذاءَهُ؟ فلا يكونَ له أمرٌ، أو نهيٌ دون إشارةٍ من ضابط أمنٍ تخجل القذارةُ من اقترانِهِ بها؟، بل كيف كانَ يحقُّ لأصغر مُخبرٍ شأنًا وإنسانيَّةً أنْ يتبختر بين عامَّة النَّاس كأنَّه إلهٌ قادرٌ؟.

وأهمُّ من كلِّ ذلك: بأيِّ حقٍّ يُنعت بلدٌ راسخٌ في الحضارة والتاريخ بأنَّه (سوريا الأسد)؟

وما إنْ أظهر السوريُّونَ رفضهم لذلك الواقع، بصورةٍ تُمثِّلُ أرقى مظاهر الاعتراض السِّلميِّ في العالم، والتَّاريخ المعاصر، حتَّى صُبَّ عليهم غضبٌ لم يكد التَّاريخ يشهدُ له مثيلًا.

مئاتُ آلاف الشُّهداء والجرحَى.. ملايينً المهجَّرِينَ واللاجئِينَ.. مئاتُ آلافِ المعتقلِينَ والمُلاحَقِينَ والمطلوبِينَ والمختفِينَ قسريًّا.. مئاتُ آلاف المنازل المهدَّمة كليًّا، أو جزئيًّا.. عشراتُ آلاف حالات القصف، والحصار، والقطع المستمر لكلِّ وسائل الحياة الأساسيَّة عن السوريِّينَ.. أكثر من 400 ألف عسكريٍّ وأمنيٍّ ومدنيٍّ، من السوريِّين، وغيرهم من شُذَّاذ الآفاق، يشاركُونَ في قمع ثورة السوريِّين، وبكل أنواع الأسلحة والذخائر والمعدَّات!.

صمدَ السوريُّونَ، رغم كلِّ ذلكَ الهول، صمودًا نادرَ المثالِ في المجتمعات الإنسانيَّة.

وسطَّرُوا بصمودِهِم ملحمةً إنسانيَّة فريدةً. وإذ تبحثُ عن معنى (الملحمة) في معاجم اللُّغة العربيَّة، فإنَّك تجد عبارات متعدِّدة تتمحور في النِّهاية حول ما يلي: «الملحمةُ حكايةٌ بطوليَّةٌ تُخبرُ عن حركةِ جماعاتٍ أو حركةِ الشعوبِ، وغالبًا ما تقصُّ أحداثًا وقعتْ في بداية تاريخِ شعبٍ من الشُّعوبِ، وهي نموذجٌ إنسانيٌّ يُحتذَى به، يفعلُ بحياتِهِ وسلوكِهِ ما يمكنُ أنْ نطمحَ جميعًا إلى تحقيقه».

تلك، بكلماتٍ، هي قصَّة الشَّعب السوريِّ، الذي كتبَ بدايةً جديدةً لتاريخه.

كان هذا الشعب يدرك، يقيناً، أن النظام السابق هو نظام (أقزام). لكن هذا لم يظهر للعالم بأسره، إلا عندما أخرج السوريون كمونهم الحقيقي، حتى شاهد هذا العالم، بأم عينه، أن ذلك الشعب (عملاق)، وبكل مقاييس الحضارة الإنسانية.. فلم يكن ثمة بد لهذا العالم إلا أن يحترم تضحياتهم، ويكبر إنسانيتهم، ويحتفل بعودتهم إلى قلب العالم، وإلى متن التاريخ.. يحاولون دفننا.. لكنهم لم يعلموا.. بأننا بذور!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store