قد لا نُحب العزلة، لكنَّنا نُعاني في الواقع من نُدرتها.
إنَّ رغبتنا في الاعتزال تتعرَّض للتهديد، إذ تعمل التقنية الحديثة بكثافة الأخبار والأحداث والتواصل، على تشتيت انتباهنا، واختراق خصوصيتنا باستمرار طوال الوقت دون كلل.. إنَّه الإفراط في الاختلاط الذي يُؤذينا، لا العزلة.
إنَّ الشغف بالاجتماعيَّة، والاختلاط بالنَّاس لا يبدو أمرًا صحيًّا، لكنَّه نتيجة عجز المرء عن تحمُّل العُزلة، بل والخوف منها، والتعلُّق المَرَضَي بالبَشَر، فالعُزلة تستدعي القدرة على الاستغناء والتخلِّي، والاكتفاء بالنَّفس، والامتلاء بالذات.. وهو ما يفتقر إليه كثير من النَّاس.
لا يمكن لمجتمع سوي الاستغناء عن توفير مجالات مختلفة للاعتزال الفرديِّ، ففائدته متعدِّية للمجتمع؛ لأنَّ الشَّخص القادر على اختيار أوقات وأماكن عُزلته، يمكن أنْ يُنتج أفكارًا ومكتشفاتٍ ومنجزاتٍ تُثري المجتمع. فالأعمال العظيمة تتبلور بالهدوء والتأمُّل والتفكُّر، أي فسح مجالات أرحب للصَّمت والفراغ، فالإبداع يتجلَّى في التفرُّغ خلال أوقات العُزلة.
والعزلة الاختياريَّة الجيِّدة تَدعَم التواصل الصحيَّ معَ الآخرِين، وهي عند (نيتشِه) «فضِيلةٌ تُريح الصَّدر»، فبإثراء ذواتنا، ومعرفة أنفسنا في العزلة، يمكننا الخروج والتَّعامل مع النَّاس بمهارات اجتماعيَّة جيِّدة، ومزاج منضبط. إنَّ القدرة على الاعتزال الاجتماعيِّ تستوجب التَّصالح مع النَّفس، والنضج العاطفيِّ، والوقوف بمفردك مع قناعاتك الخاصَّة، دون الحاجة للاتِّكاء على دعم الآخرين. لذا، فإنَّ مَن يستطيعون -حقًّا- الاستمتاع مع أنفسهم في عُزلتهم، يتعلَّمون أمورًا عظيمةً، منها: فنون الاكتفاء والرِّضا، وإطالة الصَّوم عن كلام النَّاس، فضلًا عن تحسُّن الاطِّلاع وزيادة القراءة، واللجوء لرياضات التأمُّل والتفكُّر وفضيلة التعبُّد.
يبدو ظاهرًا أنَّ معظم مَن يتمتَّعون بارتفاع ذكائهم الاجتماعيِّ والعاطفيِّ، يُفضِّلون العزلة عن النَّاس، وقلة الاختلاط بهم. وقد سبق الشَّاعر (أبوالعلاء المعري) الفيلسوف (شوبنهاور) بعدَّة قرون؛ في تشاؤمه المعهود من الحياة، والإقرار بأنَّ الاجتماعيَّة مَفْسَدَة للأخلاق، وأنَّ العزلة هي الرَّاحة العُظمى.
يقول (شوبنهاور): «إنَّ المرء يقتنع اقتناعًا راسخًا بخيار العزلة بعد تأكُّده بالبراهين المتتالية من أنَّ الحياة العقليَّة والأخلاقيَّة للغالبيَّة العُظمَى من النَّاس، شديدة البؤس والانحدار».
أمَّا في فضل العزلة وفوائدها، يقول فيلسوف الإسلام (أبوحامد الغزالي): «وفي العزلة صيانة الجوارح، وفراغ القلب، وسقوط حقوق الخلق، وإغلاق أبواب الدنيا، وكسر سلاح الشيطان، وعمارة الظَّاهر والباطن».


