لا تخلو أيُّ بيئة عمل من وجود (منغِّصات)، يأتي بعضها في سياقه الطبيعي، وبعضها أشبه ما يكون بالهبوط المظليِّ، الذي لا علاقة له بطبيعة العمل، ولكنَّه مرتبط بالأشخاص، الذين ينطلقون في تعاملهم مع بعض زملاء العمل من دوافع الكراهية، والحسد، والحقد، والغيرة، فتأتي تصرفاتهم (الشريرة) تجاه زملائهم؛ بما يعكس ما تكنُّه دواخلهم المريضة، فتتحوَّل بيئة العمل على أيديهم إلى ساحة لتصفية الحسابات، و(الضحية) من كل ذلك اللغط العمل، وما يتطلبه من ضرورة (التكاتف) بين الموظَّفين، وأثره في تجويد الأداء، والمخرجات، وكذلك من اكتوى بنار (التنمُّر) من الموظَّفين، والموظَّفات.
وهم من أعنيهم في هذا المقال، الذي يأتي كصدى لجملة من الشكاوى، التي عبَّر عنها أصحابها بكل نبرات (الحزن)، وكيف أنَّ التنمر الواقع عليهم قد عطَّل إنتاجيتهم، وكبَّل خطواتهم، وصرف اهتماماتهم إلى حيث الخوف من (المجهول)، وهم يحاولون، ويحاولون (التعايش) رغم ما بذلوه من أسباب، لرفع ظلم (التنمُّر) عنهم، دون أنْ يعود ذلك عليهم سوى بمزيد من إلقاء الحطب على نار (شلة) المتنمِّرين، الذين أحالوا حياة تلك العينة من الموظَّفين، والموظَّفات إلى (جحيم)، فأصبح هاجسهم اليومي متى هو موعد (بصمة) الخروج، وبين الدخول، والخروج قدرات معطَّلة، ونفسيَّات (محطَّمة)، ونداءات استغاثة، ولا مجيب.
إنَّه واقع مؤلم جدير بأنْ يجد لفتة قرارات تنعش آمال أولئك (الخائفين) على حياتهم الوظيفيَّة، ومصدر رزقهم، وهم يصارعون لأجل البقاء أمواجًا عاتية، كلما أخذوا خطوة نحو بر الأمان -كما يعتقدون- عادت عليهم بما يعيدهم إلى نقطة الصفر، فما هو المخرج الآمن لهم يا ترى؟
تساؤل جدير بأنْ يجد على أرض الواقع إجابة عمليَّة تنطلق أوَّلًا من الاعتراف بوجود (التنمُّر) في بيئة العمل، وأنَّ عدد من أسعفه الحظ لإيصال صوت شكواه أقل بكثير ممَّن يرزحون تحت وطأته، دون أنْ يجرؤوا على تقديم شكوى، أو رفع نداء استغاثة؛ لأنَّهم يعلمون -علم اليقين- أنَّهم أمام سطوة (التنمُّر)، وأهله، لا حول لهم، ولا قوة.
إلَّا أنَّ هنالك خطوات (عمليَّة)، أرى أنَّها سوف تؤسس أرضية صلبة لـ(مكافحة) التنمُّر في بيئات العمل، يأتي في مقدمتها إضافة (تعهُّد) في ملف كل موظف بعدم ممارسة (التنمُّر)، وأنَّ قيامه بذلك يعرِّضه للعقوبة، وهي عقوبات من الأهميَّة بمكان أنْ تكون من القوة بحيث يفكر مرضى (التنمُّر) من الموظَّفين ألف مرة قبل أنْ يصدر منهم أدنى (شبهة) تنمُّر.
ثمَّ في استحداث قسم في كل إدارة يُعْنَى بمكافحة التنمُّر (مرفأ) أمان لمن هم اليوم يبحثون عن مخرج؛ ممَّا انعكس على حياتهم الوظيفيَّة، والشخصيَّة من تبعات التنمُّر، فوجود ذلك القسم (العلاج)، لا شكَّ أنَّه سوف يصنع فارقًا في المجتمع الوظيفيِّ، وبصورة أشمل في تجويد بيئة العمل، والإنتاجيَّة، والمخرجات، التي ترزح اليوم تحت وطأة معوِّقات ما للتنمُّر في حياة الموظَّف، والأداء الوظيفيِّ من (تبعات).
ثم إنَّ في وجود هيئة عُليا لمكافحة التنمُّر، وبقنوات تواصل مباشر ما يعني بداية النهاية لحقبة سيادة (التنمُّر) في بيئات العمل، الذي وإنْ كان يسير على استحياء في بيئة العمل الرجاليَّة لاعتبارات لا تخفى؛ فإنَّه يتحدَّث بصوتٍ عالٍ في بيئة العمل النسائيَّة، وما يكون بينهنَّ من كل دواعي الكيد، والحسد، والغيرة الباعثة قطعًا إلى أنْ تبحث الشكوى عن (متنفس) كما هو شأن هذا المقال.. وعِلمي وسلامتكُم.


