انتشر مفهوم الجودة في الآونة الأخيرة بصورةٍ كبيرةٍ، مع أنَّه أصلًا موجود منذ بداية القرن الماضي مع الابتكارات اليابانيَّة.. مع أنَّنا كمسلمين سبقنا العالم في الجودة، فديننا الإسلامي يحثُّ عليها، كما في حديث رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحْدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتقِنَهُ)؛ فالإتقان في العمل وفق أعلى المعايير والمواصفات الخاصة بالأداء، هي الجودة الحقيقيَّة.
وفي المفهوم الإداري الحديث هي: فلسفة إداريَّة تشمل كافة أعمال المنظَّمة، التي من خلالها تُحقق احتياجات وتوقُّعات العميل، وتحقق أهداف المنظَّمة بأكفأ الطرق، وأقل تكلفة عن طريق الاستخدام الأمثل للطاقات والموارد.
ولأنَّنا في وطن يهتم بالجودة، فقد ظهرت وعلى أرض مكَّة الحبيبة نماذج للجودة، تُضاهي أعتى النماذج العالميَّة، مثل الأيزو، أو النموذج الأوروبيِّ.. وغيرها، وبدأت في انطلاقتها منذ عام ٢٠٠٠م، وهي مؤسسة الجودة والتميُّز الدوليَّة IQEM، والتي طُوِّرت على عدَّة مراحل، من خلال خبراء ومستشارين، حتَّى وصلت إلى ما يُسمَّى بـ(نموذج التميُّز المؤسسيِّ الدوليِّ IIEM)، وقائدها ورُبَّانها سعادة د. عدنان الصغير، والذي يقود استشارات الجودة في مؤسَّسات ومنظَّمات، ويشرف على المشروعات؛ لتكون في أعلى مواصفات الجودة والتميُّز. وكم نتمنَّى على (شركات تقديم الخدمة) لحجَّاج بيت الله الحرام، الاستعانة بمثل هذه النماذج، والتي وصلت للعالميَّة، حيث تم تأهيل منظَّمات داخل وخارج الوطن.
إنَّ اهتمامي بجودة الخدمات لضيوف الرَّحمن، تستند على رُؤية ٢٠٣٠م، حيث اعتمد خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز برنامج (خدمة ضيوف الرَّحمن) في ٢٣/ ٩/ ١٤٤٠هـ، ويستند هذا البرنامج على ثلاثة أهداف إستراتيجيَّة وهي: تيسير استضافة المزيد من الحجَّاج والمعتمرين، وتقديم خدمات ذات جودة عالية، وإثراء التجربة الدِّينيَّة والثقافيَّة للحجَّاج. والجودة هنا هدف إستراتيجي يُفتَرض أنْ يُقدَّم، وأنْ تكون هناك حوكمة ومتابعة حقيقيَّة من وزارة الحجِّ والعُمرة على جميع شركات تقديم الخدمة للحجَّاج، فالحوكمة هي وليدة الجودة الأولى.
وفي منشور لوكالة الوزارة لشؤون الحجِّ، ومركز التفويج، والعمليَّات المشتركة، ظهرت (١٧) شركة مشاركة، ومنها شركات جديدة تدخل المجال للمرة الأولى، مع أنَّ العدد قد يصل إلى أكثر من ذلك.. وهي -حقيقةً- منافسة للشركات الأساسيَّة التي تحوَّلت من مؤسسات إلى شركات، في ظل الأنظمة الجديدة، ووصل عدد الحجَّاج في المنشور إلى (مليون ومئتين وسبعة وخمسين ألفًا وأربعمئة وتسعة وتسعين حاجًّا).
ولكن سؤالي: إلى أين وصلت (الحوكمة) في شركات تقديم الخدمة للحجَّاج؟ هل تبحث وزارة الحجِّ في التقارير الخاصَّة بالأداء الفعَّال في مجالس الإدارات للشركات؟، هل تبحث في النظام القانونيِّ للشركات وتنفيذ العقود، وحل المنازعات بطريقة فعَّالة؟، هل تبحث في القوائم الماليَّة والميزانيَّات، وأسباب عدم ظهور -مثلًا- مبالغ بمئات الملايين في التقارير الماليَّة عند بعض الشركات؟، هل تبحث في الشكاوى التي قُدِّمت من قِبَل المساهمين وتقديم الحلول الملائمة لهم؟.
حقيقةً، هناك جهة أُخْرى في الحوكمة مطلوبة، وهي وزارة التجارة؛ لأنَّ هذه الشركات أصبحت شركات استثماريَّة، وبها مساهمون بالآلاف، وهم المؤسسون لرأسمال الشركة، فماذا حققت هذه الشركات من استثمارات بعد مرور ثلاث سنوات من تأسيسها؟ فربما يؤدِّي عدم تحقيق الأرباح المجدية لهم، وانخفاض قيمة السهم، إلى التعبير عن آرائهم، وهذا حق من حقوقهم، سواء في الإعلام، أو في مواقع التواصل، طالما أنَّ هذه الشركات لا تستوعب الاهتمام بالمساهمين، وللأسف فإنَّ بعض رؤساء المجالس يقيمون دعاوى قضائيَّة ضد المساهمين، ويفترض أنَّ المحامين في الشركة هم للدفاع عن المساهمين وحقوقهم، وليس ضدَّهم! ولكن -بحمد الله وتوفيقه- رفض القضاء معظم تلك الدَّعاوى، واعتبرها كيديَّة؛ لأنَّ القضاء العادل في الدولة لا يسمح أنْ تُنتهك حقوق المواطن ماليًّا ومعنويًّا.
ونأمل من وزارتي الحج والعمرة، والتجارة، الرد رسميا على كل الخطابات التي أرسلت كشكاوى من المساهمين، وتوضيح ما وصلت إليه نتائج التحقيق في القضايا، خاصة أن شركاتهم لم تبد أي اهتمام لمطالبهم، ولم ترد على أي خطاب تقديرا لهم!!.
ثم ما دور الحوكمة الداخلية في الشركات مع أصحاب المصالح، مثل العميل الأساس وهو الحاج، ثم الأطراف الأخرى مثل: الدائنين، والموردين، والعمال، والموظفين.. وبالرغم من وجود إدارة لخدمة العملاء، وإدارة رضا العميل، إلَّا أنَّ بعض الكوادر البشرية فيها غير مؤهلة.. ويجب إعطاء دورات مكثفة لهم، وأولها في كيفية إعداد الخطط التشغيلية من الخطة الإستراتيجية، حيث إنَّ بعضها لا ترتبط بالخطة الإستراتيجية مطلقًا، بل تعمل بعض الشركات بدون خطة إستراتيجيَّة أصلًا، والتي تتطلَّب مشاركة جميع الإدارات في إعدادها لمعرفة السياسات الإداريَّة، والقواعد، والنظم، والقوانين، واللوائح، ناهيك عن التحدِّيات والفرص التي ترسمها الإدارة العُليا للمنظَّمة، وتوصيف المهام للوظائف، بقصد توجيه مجهودات العاملين في كافة المستويات الإداريَّة لتحقيق الأهداف الإستراتيجيَّة المطلوبة، ومن ثم تحقيق الجودة المطلوبة.


