Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد عجب

حملة تهميش الأب!!

A A
تقول الحكاية المؤلمة والمعبِّرة: «مُنذ قرابة العام، وأبي يُضيِّع مفتاحه الخاص بالمنزل، على الرغم من تمتعه بذاكرة جيِّدة، فهو لم يبلغ الستين من عمره، يطرق الباب مرةً واحدةً، ثم ينصرف بسرعة، فلا نجده بالخارج، من المؤكَّد أنَّه لا يزال غاضبًا كما تقول والدتي وهي تبكي بحرارة، وتوصيني -كعادتها- أنْ أضعَ نسخة أُخْرى من المفتاح بجوار قبره في الزيارة المقبلة».!!

هناك حملة نسويَّة ممنهجة، تهدف لتهميش دور الأب في حياته، حيث يعاملُونه وكأنَّه «فايبر واي فاي»، طول ما الشبكة مفتوحة، والمواقع شغالة، لا أحدَ يلتفت إليه، ومجرَّد ما يتعطَّل وتختفي الإشارة، يخرج الأولاد من الغرفة، وتفيق الزَّوجة من الغفلة، ليجتمُعوا في الصالة، يسألون عنه!

حين تخرُّ قِوى الأب، أثناء سعيه لإطعام أفواه صغاره، والإنفاق على زوجته -ويشاءُ الله سبحانه- أنْ يرقد على السرير الأبيض، أو توافيه المنيَّة، يتسرَّب الشعور بعظم قيمته ومكانته، إلى نفوس أفراد أسرته، ليشتعل بداخلهم النَّدم، وتأنيب الضمير؛ لعدم منحه المحبة الخالصة التي يستحقها، لقاء أعماله الجليلة، التي طالما قدَّمها بحياته، واليوم بعد أنْ غاب أو رحل، اصبحوا يرون طيفه في كلِّ ركن وزواية، غير مصدِّقين أنَّه قد لا يعود مرَّة ثانية!!

لقد تلقيتُ رسالةً من ابنتي مايا، جاء فيها: «السَّلام عليكم يا بابا، اليوم تكلَّمنا عن الأيتام في المدرسة، تكلَّموا لنا عن شعور فقدان الأب أو الأم، كيف أنَّه صعب، أنا تخيَّلت نفسي بالموقف، وحسيت ببعض المشاعر والانفعال، وكنت فعلًا ببكي لو ما هدَّتني صاحبتي ليان، حسيت أبي أكتب رساله لك؛ لأنِّي اكتشفتُ أنِّي ما قد مرة عبَّرت عن مشاعري بشكل صريح، أبغى أقولك إني أُحبَّك، والله إني أُحبك، أنت قدوتي، وسندي في هذي الحياة..».

لذلك، يجب على مشرفي المدارس، وأئمة الجوامع، وصنَّاع الأعمال الثقافيَّة، سواء بوسائل التواصل، أو القنوات الفضائيَّة، توعية أفراد الأسرة، بضرورة تثمين دور الأب في حياته، ومراعاة جهوده وظروفه، والاهتمام بصحَّته واحتياجاته، وعدم الانسياق خلف (حملة تهميش الأب) الظَّالمة، التي تقودها الحسابات النسويَّة، والتي أخذت من الرجل كلَّ شيء: صوته، قصَّة شعرة، خِشته، لكنَّها عجزت عن الوفاء بأقل واجباته!!

مُنذ فجر الإسلام، وروح الأب الطاهرة، تذهب كل مساء لمخيلة أفراد أسرته، لتهون مصابهم، وتشعرهم بأنه لا يزال عايشًا، وقد يعود بأيِّ لحظة، حتى يدركوا مع الأيام، أنَّه مات، مات، وعليهم أنْ يستجمعوا قواهم، ويقفوا على أرجلهم، ويواجهوا مصاعب الحياة -لكن ليس بمفردهم- بل بخيرات الأب الذي خلف لهم: تركةً، معاشًا تقاعديًّا، صنعةً أو تجارةً أو سمعةً طيبةً، يمكنها أنْ تأخذ بيدهم، وتضمن لهم الحياة الكريمة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store