كلَّما ظهرت مُشكلةٌ في سوريا؛ بسبب التدخلات الخارجيَّة، أوَّلًا وقبل كل شيء، صعدَ (مَوَّال) الحديث عن (الطائفيَّة) لدى بعض الدول التي خسرت بتحرير هذا البلد العربيِّ، والأسوأ من ذلك، لدى بعض مَن يُسمُّون أنفسهم (مثقَّفين سوريِّين)!.
تفرض هذه الظاهرة طرح سؤالٍ حاسمٍ جدًّا في حاضر سوريا ومستقبلها، يجب التعامل معه بجديَّة: هل غالبيَّة السوريِّين فعلًا طائفيُّون؟، والسؤال مشروع؛ لأنَّ كثيرين باتوا يُردِّدون هذه المقولة، بغرض إقناع السوريِّين بها. بعضُهم بنيةٍ سيئةٍ كما هو واضح. لكن البعض يُردِّدها، بحُسن نية، ناصحين بضرورة أنْ (نعترف) بتلك (الحقيقة)، ليمكن عودةُ (التعايش) بين السوريِّين.
فهل المقولة حقيقيَّةٌ فعلًا؟، أم أنَّها تتعلَّق، فقط، بأحداث استثنائيَّة، قويَّة، كما يحصل مع كل شعبٍ في العالم، وعلى مرِّ التاريخ، في الشرق وفي الغرب؟.
بالمنطق العلمي، دعونا ننظر إلى حالتين، الأُولَى مستدامة لعقودٍ وقرون، لجهة تعايش السوريِّين فيها. والثانية مهمَّة جدًّا، وتتعلَّق بلحظة تحرير سوريا.
في المشهد الأوَّل الذي يُفترضُ أنْ يُبيِّنَ، بصراحةٍ ووضوح، طبيعة العلاقات بين مكوِّنات الشعوب، ومنها الشعب السوري.. لا يستطيع مخلوق، خبيرًا كان، أو باحثًا، مثقفًا أو ناشطًا، (تلبيس) السوريِّين بالتُّهمة المذكورة. وحتى كل مراكز الأبحاث والجامعات، والمنظَّمات والدُّول، لا يجرؤ واحدٌ منها الزعم بوجود أدلةٍ تُثبتُ ذلك (الاتِّهام). ببساطة؛ لأنَّ الواقع السوري التاريخي يؤكِّد استحالة وجود مثل تلك الأدلة.
أما في المشهد الثاني، الخطير جدًّا، والحساس جدًّا، خاصَّةً في الواقع السوري الراهن، فتؤكِّد كل النظريات العلميَّة والإحصائيَّة، الكميَّة والنوعيَّة، بأنَّ (لحظة تحرير سوريا) كانت تمثِّل اللحظة التي يُمكنُ فيها للطائفيَّة القويَّة أنْ تتجلَّى على شكل مذابح عارمة، تستهدف العلويِّين تحديدًا، و(الأقليَّات) الأُخرى بشكلٍ عام. بل إنَّ مراكز الأبحاث كانت تتوقَّع -في دراساتها- درجةً من العنف والقتل والدماء غير مسبوقة في تاريخ سوريا، وبأرقام تُعدُّ بست خانات (أي مئات الآلاف)!.
ولمن لا يعرفُ الخلفيَّة الأكاديميَّة والبحثيَّة العالميَّة في مثل هذه الدراسات، ويعتمدُ على الانطباعات والمشاعر والأقوال الملقاة على عاهنها بدون دليل، نؤكِّد أنَّ حصول مثل تلك الأحداث كان سيُعتبرُ (أمرًا طبيعيًّا) يتَّسِقُ مع التجارب التاريخيَّة للغالبيَّة العُظمَى من شعوب العالم!، خاصَّةً، وتحديدًا، أنَّ مَن قادوا التحرير يُتَّهمون من قِبَل البعض بأنَّهم (متطرِّفون جهاديُّون إسلاميُّون)!، ثم يَسأل هذا البعض: ماذا تتوقَّع منهم غير ذلك؟، وماذا تتوقَّعُ من أكثر من 15 مليون سوري عاشوا ما لا يتصوَّره العقل والخيال، من القتل والمذابح والاعتقال والتعذيب والتشريد، وألوان العنف الذي قلَّما شهدت له البشرية مثالًا؟، ماذا تتوقَّعُ أنْ يكون ردُّ فعلهم، وقد فُتحَ لهم المجال لكل أنواع الانتقام، في ظلِّ الفوضى الهائلة التي سادت في تلك الأيام؟.
بالمقابل.. ماذا جرى عملياً، في سوريا لحظةَ التحرير؟، لم يحصل شيء من ذلك كله على الإطلاق!!.
على العكس من ذلك، كانت عملية تحرير سوريا نموذجاً في (الانتصار العسكري النظيف) للثورات في تاريخ العالم والبشرية.
ولقد سمع المرء، مراراً وتكراراً، من باحثين وخبراء، في مراكز البحث الأمريكية والغربية، أنهم (مذهولون)؛ لأن الشعب السوري تعامل مع ما جرى على أنه وضع طبيعي. وأنَّه لم يشعر بأيِّ ضرورةٍ لاعتبارهِ إنجازًا بشريًّا ثقافيًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا تاريخيًّا!.
لكن عَالَم البحث الأكاديمي يبحثُ دائمًا عن تفسيراتٍ للظواهر. وكان التفسير الوحيد عند أهله لتلك الظاهرة، مع البحث والدراسة، أنَّها حصلت؛ لأنَّها تنسجم -تمامًا- مع تاريخ سوريا وثقافتها العالية جدًّا بخصوص مسألة (التعايش).
فضلًا عن ذلك. ها هو واقع قريتي (نُبُّل)، و(الزَّهراء) العلويتَين في الشمال السوريِّ، ومعها مجموعة من القرى الدرزيَّة في ريف إدلب، تشهدُ كلها درجاتٍ من الأمن والسَّلام، نادرةً في تاريخها بشهادة سكَّانها!.
تخيَّل -أيُّها القارئ الكريم- هذه المفارقة.. قرى كلُّ سكَّانها ينتمُون لأقليتَين هما أكثر ما يُتَّهم السوريون بالطائفيَّة ضدَّهما. وتقع جغرافيًّا واجتماعيًّا، في أكثر مناطق الأكثريَّة السنيَّة السوريَّة كثافةً، وأشدِّها مُحافَظَةً، وأعظمها تضحيةً في الثورة، وأكثرها قُربَ عَهد بالعمل الثوري المسلَّح. ومع ذلك، تظل هذه القرى آمنةً مطمئنةً سالمةً. في حين يُتَّهم السوريون بتركها، والذهاب إلى آخر جنوب سوريا، لتظهر طائفيتهم هناك!.
هذا هو حديثُ (الواقع).. وذاك فيما سبق حديث (العِلم).. وهما، لكلِّ صاحب عقلٍ ومنطق، ما يجب أنْ يأخذهُ الإنسان السوري، والعربي والمسلم، إجابةً عن السؤال المطروح: هل غالبيَّة السوريِّين فعلًا طائفيُّون؟.


