أحيانًا يضع بعض النَّاس عيونهم على كبير السِّن، تنتظر خبر وفاته، خاصَّةً إذا كان محاطًا بالأمراض من كل جهة، ثم تفاجأ العائلة بمغادرة أحد أفرادها مَن هو في سنِّ الورود، أو في مقتبل العمر، وقد حضرتُ غسيلَ شخصٍ أعرفه توفَّاه الله، وهو لم يبلغ الأربعين من عمره، وكان من بين الحضور عمه شقيق والده، وقد تجاوز الثمانين من عمره، فنظر إليه وقال: «أنا المفروض أكون مكانك».
وقد توقَّفتُ عند أقدار الله، عندما قمتُ بواجب العزاء لإنسان هو أكبر إخوانه الخمسة الذين تُوفُّوا قبله، عزَّيته وقرأتُ في تعابير وجهه لوحةً مكتوبًا عليها «سبحان الله.. أنا ربَّيتهم من أجل أن يخدموني إذا كبرتُ، ويراعوني في شيخوختي، ويتولون أمر دفني في نهاية حياتي، إلَّا أنَّ أمر الله هو النافذ، فرحلوا قبلي جميعًا»، حيث الذي حدث له فعلًا العكس، فرحل إخوانه الخمسة جميعًا، وتركوه يعيش في هذه الحياة وحيدًا، وقدَّر الله أن يكون هو مَن يدفنهم واحدًا تلو الآخرَ، وقال: «وبقيتُ أُناجي اللَّيلَ وأُكابدهُ، وأسهر مع ظلامِهِ وظلمتِهِ باكيًا على فراقهم، حيث كانوا لي بمثابة الأبناء في تربيتهم، حتَّى كبروا، وتوظَّفوا، وأصبحوا رقمًا في المجتمع في المناصب والحياة، ثمَّ يتركوني ويرحلون».
إنَّ فقدان أخ واحد موجع للقلب والكبد، فكيف هم خمسة؟! لكنَّها أقدار الله، ومصائب الحياة، حيث إنَّ الله سمَّى الموت في كتابه العزيز مصيبة، والمصيبة إنْ حلَّت إنَّما تواجه ويتغلَّب عليها بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، والحمد لله أن جعل الله الصبر توأم المصائب، وجعله زادًا وحافظًا للمؤمن الذي يؤمن بالقدر خيره وشره.
وهناك في عهد النبوة، من فقدت أبناءها وزوجها في سبيل الله، في معركة أحد، وصبرت واحتسبت، بل كان أكبر همها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث هو من سألت عنه، وأرادت أول من تطمئن عليه، فالفقد موجع، لكن الله -سبحانه وتعالى- ما ابتلى إلا وأعان، ومن أبرز معونة الله للعبد، أنْ منحه حبه إنْ هو صبر في قوله تعالى: (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، وجعل من أمر الاحتساب بابًا إلى الجنة، لذلك يكون الرضا بما قدَّر الله كهرباء القلب التي تضيء في داخله، وتربِّي في نفسه الصبر، وأشهر مثل في معرفة مدى تربية تعاليم الإسلام للإنسان، وتأثير آياته فيه، ويوضِّح قيمة الصبر كعدة وزاد لمواجهة الأحداث في الحياة، هو ما جرى على الصحابيَّة الجليلة والشَّاعرة المعروفة «الخنساء» تماضر بنت عمرو بن الحارث، حيث أدركت الجاهليَّة والإسلام، واشتهرت بجزعها على أخيها «صخر» عند وفاته، وبرثائها لأخويها «صخر، ومعاوية» اللذين قُتلا في الجاهليَّة، وبكت عليهما كثيرًا دمًا ودمعًا وشعرًا، بينما عندما عانق الإسلام شغاف قلبها، وعرفت ربها وأحبته، وعند استشهاد أبنائها الأربعة في معركة القادسية، استرجعت وقالت: «الحمدُ للهِ الَّذِي شرَّفنِي باسْتشهادِهِم، وأرجُو من اللهِ أنْ يجمَعَنِي بِهِم فِي مستقرِّ رحمتِهِ».


