كان للهيئة العامة للأوقاف إصدارٌ متميز عن الأوقاف التاريخية في مكة المكرمة؛ للفترة منذ صَدْرِ الإسلام حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري، صدر حديثاً قبل عام أو عامين، استهدف التعريف بالوقف وبيان أهميته التاريخية، وكيفية تفعيل دوره في المجتمعات المعاصرة، فضلاً عن البُعدين الاجتماعي والاقتصادي للوقف، وما إلى ذلك من أوقاف المساجد التاريخية والأربطة والمدارس والمكتبات، وغيرها.
وفي واقع الأمر، فإن ما تشهده الهيئة العامة للأوقاف من حِراك متسارع؛ أمرٌ يدعو للإشادة بدورهم بعد انتظار طال أمده، ويُدلِّل على النية القوية والعزم لتعويض ما فات من ركود في هذا القطاع، من خلال العمل المستمر على تعزيز البيئة التنظيمية للقطاع الوقفي.
قرار مجلس الوزراء صدر في عام 1431هـ بتحويل الأوقاف من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد إلى هيئة عامة للأوقاف، على أن يصدر نظام الهيئة خلال ستة شهور، ولاعتبارات لا أعرفها لم يصدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على نظام الهيئة العامة للأوقاف إلَّا في عام 1437هـ، واعتماد ميزانية سنوية للهيئة العامة للأوقاف ضمن ميزانية الدولة، وأن يكون تعيين الأعضاء بأمر من رئيس مجلس الوزراء.
ومنذ ذلك التاريخ شهدت الهيئة العامة للأوقاف نشاطاً غير معهود، شمل تسجيل جميع الأوقاف في المملكة وتوثيقها، وحصر جميع الأموال الموقوفة، وبناء قاعدة معلومات عامة عنها، وتنظيمات شملت الأوقاف العامة والخاصة (الأهلية) والمشتركة، فضلاً عن إشراف الهيئة على أعمال النُّظَّار الذين يعيِّنهم الواقفون في حدود ما تقضي به الأنظمة، وبما لا يخالف شروط الواقفين.
هذا ما سعت إليه الهيئة العامة للأوقاف في تنظيم الأوقاف؛ والمحافظة عليها وتطويرها وتنميتها، بما يحقق شروط واقفيها، ويعزز دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتكافل الاجتماعي وفقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية والأنظمة، وهذا من الجوانب المضيئة في النظام؛ بأن يكون كل ذلك وفقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية، وهو أمر لا يجيده ويتقنه إلَّا الراسخون في العلم.
ولعل من أهم مواد النظام في نظري، والتي أعتبرها شخصياً تندرج تحت مظلة الإصلاح السياسي، هي المادة التاسعة التي أختم بها هذا المقال: «اتخاذ الإجراءات اللازمة للاستفادة من الأموال الموقوفة (الثابتة والمنقولة) خارج المملكة على أوجُهِ برٍّ عامة داخل المملكة - بالتنسيق مع وزارة الخارجية- وإنفاق إيراداتها على مصارفها».


