يحظى كبار السن في المملكة العربية السعودية بعنايةٍ تامة ورعايةٍ شاملة من الدولة على أعلى مستوياتها، إضافةً إلى جميع أفراد المجتمع. فالمجتمع السعودي الذي عُرِف بارتباطه الشديد بتعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية؛ اللذين تتخذهما المملكة دستوراً وقانوناً، إضافةً إلى القيم والتقاليد العربية الأصيلة التي تدعو للمروءة والشهامة ومكارم الأخلاق.
لذلك، فالسعودية مجتمع متراحم يقوم على الرحمة والعطف، نسبةً للتربية التي نشأ عليها غالبية أفراده، فنحن مجتمع لا زال يحافظ على ترابطه، ويحرص معظم السعوديين على توفير أقصى الرعاية لوالديهم وكبارهم على وجه العموم، ويمنحونهم أولوية في كثير من الجوانب والخدمات.
كما بادرت الدولة إلى اتخاذ خطوات حاسمة لتوفير الحماية لكبار السن، وأجازت من القوانين ما يكفي لحمايتهم، وجعلت ممارسة العنف بحقهم جريمة تستوجب العقاب، بغض النظر عن الدوافع أو مكانة المعتدي. وهناك في المنظومة القضائية السعودية العديد من الأجهزة المختصة بمثل هذه الحالات، حيث تتعامل معها بمنتهى الحزم والصرامة.
خلال الأسبوع الماضي؛ لفت نظري ما نشرته وسائل الإعلام السعودية عن إشادة الخبيرة المستقلة للأمم المتحدة المعنية بتمتع كبار السن بجميع حقوق الإنسان، الدكتورة كلوديا ماهلر، التي أبدت دهشتها للجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة في تحديث وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة لكبار السن، والتي تتضمن مجالات وخدمات يصعب وجودها في أي دولة أخرى، حسب وصفها، وأبرزها خدمات الرعاية الصحية المنزلية، وتسهيلات السجل المدني، ومساعدات الضمان الاجتماعي، وغير ذلك من أنواع الدعم والمساندة.
وقالت الدكتورة ماهلر في ختام زيارتها الرسمية إلى المملكة، والتي استمرت عشرة أيام، إن الاحترام العميق لكبار السن، هو جزء من التقاليد الدينية والثقافية للبلاد، وهو أمر جدير بالثناء. وإنها تعرفت على الجهود الملموسة في مجالات التعلم مدى الحياة، وتيسير الوصول إلى الخدمات الرقمية، وتطوير النقل والبنية التحتية، فضلاً عن توفير وحدات دعم متنقلة ومسارات أولوية للخدمات في مختلف أنحاء المملكة.
وامتداداً للعناية الكبيرة التي توليها القيادة الرشيدة لكبار السن، فقد أقر مجلس الوزراء مشروع النظام الجديد لحقوق كبير السن ورعايته، والذي يستهدف حفظ حقوقهم ورعايتهم، ورفع جودة حياتهم. حيث ينص على منحهم امتيازات خاصة، ويحفظ حقوقهم الاجتماعية والمالية والقانونية. وشاركت العديد من الجهات المختصة في إعداد القانون الذي تقدمت به وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، لذلك جاء شاملاً ووافياً لجميع الجوانب، مثل مجلس شؤون الأسرة، ووزارة الداخلية، وهيئة حقوق الإنسان، ووزارة الصحة.
كما يفرض النظام عقوبات صارمة تشمل الغرامة المالية والسجن تجاه مَن يُسيء لهم ويستغل أموالهم، سواء كان من الأفراد أو الجهات الاعتبارية. كما يهدف النظام إلى ضمان إجراء الدراسات والبحوث، وتوفير البيانات اللازمة لتطوير الخدمات الخاصة بكبار السن، ودعم الأنشطة التطوعية، وتأهيل المرافق العامة والتجارية، والأحياء السكنية والبيئة المحيطة والمساجد، لتكون مناسبة لكبار السن.
هذا الحرص الكبير الذي تُبديه القيادة؛ يستند إلى تعاليم الإسلام، الذي ربط رضا الله تعالى برضاء الوالدين، وحذَّر من الإساءة إليهما بقوله جل وعلا: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما).
لذلك جاء مشروع القرار الجديد ليؤكد أن عيش كبير السن مع أبنائه أو أفراد أسرته ليس تفضلا منهم عليه، بل هو حق أصيل له بموجب القانون، وأنه لا يجوز لدور الرعاية إيواء كبار السن إلا بعد موافقتهم، أو صدور حكم قضائي بذلك. كما يمنح النظام كبير السن بطاقة امتياز من الوزارة، تمكنه من الحصول على الخدمات والامتيازات.
هذا الحرص الكبير، وتلك النظرة الرحيمة تمثل جزءاً أساسياً من رؤية المملكة 2030 التي ركزت معظم اهتمامها على محور (المجتمع الحيوي)، حيث نادت بتوفير أقصى الرعاية لكبار السن، وأكدت ضمان حقوقهم وصيانتها، ورفع جودة حياتهم، وفاءً لما قدموه خلال الفترة الماضية. وهو ما يؤكد أن الرؤية ليست مجرد خطط تنموية، بل وصفة شاملة للنهوض بالإنسان وترقية واقعه ومستقبله.


