معناها، «الفارغ» الذي لا مضمون له، والكلمة مشتقة من العربية الفصحى، بمعنى ضعف الرأي، ولها تطبيقات تاريخية مهمة؛ بالذات في عالم العلوم. وهناك أمثلة على مفاهيم ومصطلحات تاريخية كانت مهيمنة على الفكر العلمي الواسع الانتشار، ثم سقطت واندثرت بطرق مدهشة.. وعلى سبيل المثال، فمصطلح «فلوجستون»، على وزن «دركسون»، كان واسع الانتشار في أرقى مستويات الفكر العلمي، وكان يرمز إلى نظرية بأكملها بدأت خلال الربع الأخير من القرن السابع عشر لوصف المادة المسؤولة عن الصدأ، والاشتعال وانتشار النار. وكان الاعتقاد بأن هناك مادة مسؤولة عن تلك الظواهر، وأن وجودها بداخل الأشياء هو الذي «يشعلل» الدنيا.. كانت الفكرة راسخة في عالم العلوم إلى نهاية القرن الثامن عشر؛ عندما تطورت فكرة الاشتعال من خلال احتراق الأوكسجين، وأثبتت صحتها ووجاهتها العلمية، فاندثر مصطلح «الفلوجستون» والفكرة نفسها.. وحل محلها مفهوم الأكسدة من العالم الإنجليزي «بريستلي»، والفرنسي «لافوازييه». واليوم لن تجد المصطلح إلا في كتب التاريخ، فقد أصبح من رموز «الفاشوش».
وهناك أيضاً مصطلح «كالوريك»، والنظرية التابعة له تدّعي أن الحرارة هي عبارة عن مائع أو سائل يتدفق من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة.. وكان المصطلح يرمز أيضاً لغاز يدخل ويخرج من المسام في المواد الصلبة والغازية.. الفكرة كانت راسخة، وواسعة الانتشار خلال القرن الثامن عشر إلى أن تم رفضها بنهاية القرن التاسع عشر.. وجاءت قوانين الديناميكا الحرارية الجبارة التي أصبحت أساس انتقال الحرارة اليوم. وبالرغم أن نظرية «الكالوريك» قاومت ببسالة، إلا أنها أصبحت «فاشوشاً» بالرغم من الاستمرار في استخدام المصطلح.
ومن العجائب أيضاً في هذا الشأن، نجد مفهوم «نومه» pneuma.. على وزن «بومة».. وترمز إلى «نَفَس الحياة» في المبادئ الإغريقية الفلسفية التاريخية.. ومفادها أن هذا النَّفَس هو سر الحياة، ويمكن قياسه، وتقنينه، وأنه ينتشر في العديد من الأماكن سواء في الأحياء أو حتى في الجماد. وكان المفهوم السائد في بعض الحضارات القديمة، ومنها الحضارة الرومانية، أن «النومه» كانت جوهر الصحة والنشاط، بل والحركة في جميع الكائنات. ومع تطور العلوم عبر العصور، تلاشت هذه الأفكار في عالم الأحياء، وتطبيقاته في فروع الطب المختلفة.
وهناك العديد من الأفكار الأخرى التي كانت سائدة وراسخة، وبعضها كانت منطقية، ولكنها اختفت في عالم «الفاشوش».. وبصراحة، نبعت فكرة المقال عندما راجعت الممارسات التي نشهدها اليوم في حروب التعرفة الجمركية، وتلاشي العولمة، وأهمية الميزات المقارنة، والميزات النسبية.. وجدت أن هناك احتمال أن العديد مما تعلمت في الجامعة في مجال الاقتصاد كان «فاشوشاً».. وأن جهودي كانت لمجرد تقوية لغتي الإنجليزية، ومهارات البحث العلمي، وكتابة التقارير.. يعني يبدو أنني كنت «فاهم الدنيا غلط».
* أمنيـــــة:
عالم «الفاشوش» يتميز بالعديد من الخصائص، ومنها أنه كالثقوب السوداء الكونية.. تسحب الأفكار لتسحقها في المجالات المختلفة.. ولا يقتصر على عالم العلوم فحسب. فضلا الملاحظة أن بعد الحرب على المدنيين الأبرياء في غزة، والممارسات القمعية بشكل عام في أراضي فلسطين، انقرضت العديد من الأفكار العالمية الخاطئة التي كانت دارجة في الغرب.. ومنها أن كيان الاحتلال يمثل أقلية مظلومة، وأنه يمثل السلطة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، وأنهم أولاد عمومتنا، وأنهم يمارسون الحضارة.. كلها أفكار «فاشوشية» ظهرت على حقيقتها.. أتمنى أن ينير الله طريقنا بالحق والفهم الصحيح.
@Tfadaak


