كان يا ما كان، في قديم الزمان، شابٌ هُمَام، انطلق يبحث في الصحراء عن فتاة أحلامه.. انطلق كالسَّهم من الرَّمية.. نحو الأمل الذي رآه في منامه، عروس بارعة الجمال، قامةً وعزًّا ومجدًا، فكان له ما كان، ولادة وطن اسمه (السعوديَّة)، فتحقَّق الحُلم لعبدالعزيز، ورفع عرش بلاده عاليًا بكيانٍ قويٍّ، ودعائم ركائزها أبناؤه البررة: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله -رحمهم الله-، وسلمان -حفظه الله-، بل أبناء وطنه جميعًا، الذين حملوا الرَّاية التي تحمل الشهادتَين، فكانت شعارًا ودستورًا للدولة، ودعمها في ذلك فوران الذهب الأسود، وانطلاقته من آبار تلقَّفه العالم.. فنَمَا اقتصاد الدولة، وصارت العروس سيدة زمانها.
وفي ليلةٍ قمراءَ، اكتست كثبان نجد بالضياء، الذي سطع وشق نوره عنان السماء، وكان ذلك في عام 2016م، حين أعلن الحفيد المغوار الأمير محمد بن سلمان، عن رُؤية سعوديَّة سُمِّيت برُؤية 2030م.. حُلم انبثق، ورثه عن جدِّه في جيناته، بأحلام المجد، ثم صار حقيقة في أقل من تسع سنوات.
نعم، إنَّه التحدِّي الذي يراهن عليه الحفيد، وقال كلمته في تقرير الرُّؤية عام 2024م: «نحن في عامنا التاسع من رُؤية 2030م، نفخر بما حققه أبناء وبنات الوطن من إنجازات، لقد أثبتوا أنَّ التحدِّيات لا تقف أمام طموحاتهم، فحققنا المستهدَفات، وتجاوزنا بعضها، وسنواصل المسير بثبات نحو أهدافنا، ونُجدِّد العزم لمضاعفة الجهود، وتسريع وتيرة التنفيذ، لنستثمر كل الفرص، ونُعزِّز مكانة المملكة كدولة رائدة على المستوى العالمي».
بهذه الافتتاحية، لخص سموه ما وصلت له الرؤية، تسعة أعوام حققنا فيها أهدافا إستراتيجية: «وطن طموح، ومجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر».. مستندين على قوتنا الاقتصادية والاستثمارية، وعلى موقع الوطن الإستراتيجي، الذي يربط بين قارات العالم، وكونها مركزا رئيسا للعالمين العربي والإسلامي.
تسعة أعوام وضعنا في مرحلتها الأولى البنى التحتيَّة الأساسيَّة للاقتصاد، من خلال حزمة من الإصلاحات الاقتصاديَّة والماليَّة، وفقًا لمنهجيَّة شاملة، معتمدين في ذلك على (10) برامج حكوميَّة. وفي المرحلة الثانية كانت مرحلة توسيع دائرة التحوُّل من القطاعات ذات الأولويَّة، والتي تضمن التناغم بين الجهود وتحقيق الأهداف.
واليوم، ونحن على أعتاب المرحلة الثَّالثة، وجدنا أنفسنا قد حققنا مستهدَفات وطنيَّة قبل وصولنا للعام 2030م، من خلال ترسيخ العمل الحكوميِّ، وكفاءة التخطيط الإستراتيجيِّ، وحوكمة رصينة، شملت كافة القطاعات، العام والخاص، وغير الربحيِّ.. بل تجاوز بعضها ما كان مستهدَفًا في حينه، حيث تعيش المملكة تحوُّلًا منقطع النظير في كافَّة المجالات، شملت السياحة، والثقافة، والطاقة المتجدِّدة، والتعدين والصناعة، والعقار، والتقنية.. وغيرها، بالإضافة إلى ما أثمرته الرُّؤية من وضع المملكة في مجموعة دول العشرين، ومكانة سامقة على الساحتين الدوليَّة والإقليميَّة.. وموطن لتوالد الفرص الاقتصاديَّة والاستثماريَّة.
ولم يعد الذهب الأسود هو المورد الوحيد في رسم اقتصاد الدولة، بل أصبحت الأنشطة غير النفطية في السياحة والثقافة والرياضة.. وغيرها، هي أساس في الناتج المحلي الإجمالي.. حيث بلغ نمو الناتج المحلي غير النفطي الحقيقي في عام 2024م نحو 3.9%، مقارنةً بـ 2023م، كما أنَّ معدل البطالة انخفض بين السعوديين إلى 7%، بل إنَّ هناك توقعات إيجابية لنمو الاقتصاد السعودي حسب الميزانية العامة للدولة للعام 2025م بنسبة نمو 4.6%، كما أنَّ وكالات عالميَّة مثل موديز، قد صنَّفت النظرة المستقبليَّة للسعوديَّة بنمو (+A). وأنَّ نسبة المؤشرات التي حققت مستهدَفاتها السنويَّة، أو قاربت على تحقيق المستهدَف بنسبة (85٪ - 99٪).
كما أصبح المجتمع أكثر حيويَّة، بالاستمرار في الجهود لخدمة ضيوف الرَّحمن، حيث بلغ عدد المعتمرين من خارج المملكة 16.92 مليونًا، متجاوزًا المستهدَف للعام 2024م، وارتفعت نسبة تملُّك الأُسر السعوديَّة لمنازلها، فحققت 65.4% من الأسر. وارتفع عدد المواقع المسجلة في التراث العالمي إلى (8) مواقع.
كما ارتفع مستوى الاقتصاد المزدهر، بناءً على دعم صندوق الاستثمارات العامَّة، حيث حقق فرصًا استثماريَّة بمقدار (1865 مبادرة استثماريَّة)، بمبلغ (3.53 تريليونات ريال)، ووصول المملكة إلى ترتيب عالميٍّ في مؤشر التنافسيَّة العالميِّ IMD، حيث وصلت إلى المركز الـ(16) عالميًّا.
وفي معيار وطن طموح، قفز ترتيب المملكة في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونيَّة إلى ترتيب الـ(6) عالميًّا. وارتفع عدد المتطوِّعين إلى 1.2 مليون متطوِّع.
وتُقاس هذه المؤشرات دوريًّا؛ للتأكد من أولويات التحوُّل الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، إلى جانب تصحيح المسارات عبر إجراءات تنفيذيَّة تصحيحيَّة.. وتطوير منهجيَّات القياس، وضمان مواءمتها مع أفضل الممارسات الدوليَّة.
هذه حكاية وطن عاش بالتبات والنبات.. هل تعرفون ما هو (التبات)؟، إنَّه (الثبات)، الذي قال عنه سموُّ ولي العهد (المسير بثباتٍ نحو أهدافنا)، أي باستقرار واتزان، وأمَّا (النبات)، فهو النمو والازدهار للدولة.
احفظوا الحكاية، وارووها لأبنائكم، ليحملوا شعلة المستقبل، ويسيروا في مسبار الرُّؤية.


